تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5287

مساهمون:

ص٥٢٨٧
يستمعون ، ويعقلون واختاروا الهوى إلها ، أما الاستفهام في هذه الآية فهو على إنكار أنهم يسمعون .
تَحْسَبُ
معناها تظن ونقدر أنهم يسمعون ويعقلون ، وإنكار أنهم يسمعون ؛ لبيان أنهم لا يسمعون الحق ولا يهتدون ولا يتدبرون ، فكانوا كمن لا يسمعون أصلا ، لأن اللّه وهب لنا السمع لنتقى به أضرار المفاجات ، ولنكون في يقظة ، فإذا لم يفد السماع إدراك الحق فهو لم يسمع ، ففي الكلام مجاز ، وكذلك من عنده عقل ولا يستعمله فكأنه سلبه . وقال سبحانه :
أَكْثَرَهُمْ
لأن اللّه عدل في حكمه دائما ، فمنهم من يؤمن ، ويكون من المجاهدين ، ومنهم من كان يستنكر في نفسه ما يفعله هؤلاء ، فليسوا جميعا كأبى جهل وأبى لهب ، وإن هؤلاء الكثرة كانوا هم المسيطرون على الجو الفكري حتى أدال اللّه تعالى من دولة الكفر ، وكانت الكلمة العليا للّه ولرسوله وللمؤمنين ، فأخذ الإسلام يغزو القلوب قلبا قلبا قلبا ، وفقد الهوى سلطانه إلا في بعض الأعمال دون العباد ، ويئس الشيطان أن يعبد في أرض العرب ، وبين سبحانه أن هذه الكثرة أضل من الأنعام فقال :
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
. هنا نفى وإثبات ، وإن نافية ، أي ليسوا إلا كالأنعام ، في أنهم لا يعقلون الحق ولا يدركونه ، وفي الكلام مجاز ، إذ شبهوا بالأنعام ، لجامع الجهالة وعدم الفهم ، وقد أكد اللّه جهلهم بقوله
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
أي أنهم أضل طريقا وهداية ؛ لأن الأنعام تتبع هاديها ، ومن يأخذها إلى منتجع الكلأ والماء ، أما هم فلا يهتدون ولا يتبعون هاديا مرشدا ، فهم جائرون بائرون ، ولقد قال الزمخشري في هذا المعنى : « إن الأنعام تنقاد لأمر من يرعاها ويتعهدها ، وتعرف من يحسن إليها ، ومن يسئ إليها ، وتطلب ما ينفعها ، وتتجنب ما يضرها ، وتهتدى لمراعيها ومشاربها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ، ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ، ولا يتقون العذاب الذي هو