تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5292

مساهمون:

ص٥٢٩٢
الاثنين ، جمع بشور ، أي مبشّر ، والمعنى على ذلك مبشرات برحمته ، وهو إنزال الماء الطهور ، الذي يطهر من الأرجاس ، ويسقى الزرع والغرس والحيوان ، والإنسان ، ويصح أن تكون جمعا لبشرى ، وهي في نظرنا أظهر والمؤدى واحد ، وهو أنها مبشرات ، وقد تكون الرياح عواصف جدباء ، وليست هذه التي تكون بشرا ، بل إنه يكون نذيرا من النذر كما وقع لعاد قوم هود ، ولثمود قوم صالح ، وقوله تعالى :
بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
أي أنها مقدمة لرحمته تليها الرحمة الإلهية لخلقه ، وفي هذا الكلام تشبيه حسن باستعارة تمثيلية ، فقد شبهت الرياح الممطرة غيثا بمن يسير وأمامه في سيره رحمة مباركة طيبة ، ورشحت وقويت الاستعارة بقوله بشرا فإنها تقوى معنى المشبه به ، والاستعارة إذا كانت مقواة بما يكون فيه معنى المشبه به كانت مرشحة أي مقواة . وقول
بُشْراً
قرئت بالنون ، أي نشر جمع نشور ، كما جمع رسل من رسول ، والمعنى أنها تنتشر وتعم لتعم الرحمة ، ونذهب إلى أن القراءتين المتلاقيتين في المعنى نجمع بينهما فيكون المعنى أن الرياح فيها وصفان أحدهما أنها مبشرة بالخير ، والثاني أنها منتشرة وعامة . ويكون المؤدى أن كل قراءة آية قائمة بذاتها ، وهي قراءة ، والجمع بينهما يكون الجمع بين آيتين ، في أوجز لفظ ، وبالجمع تكون الرياح مبشرات ومنتشرات ، واللّه هو الرزاق ذو القوة المتين . وقال تعالى :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً
والسماء هنا جهة العلو ، أنزلنا من السحاب الذي حملته الرياح المبشرة المنتشرة ماء طهورا ، والطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره ، وإن أطهر الماء هو ماء المطر ؛ لأنه فوق خلوه من الأنجاس الحسية والقاذورات هو خال خلوا تاما من جراثيم الأمراض الوبائية وغيرها ، ووصفه بطهور ينبئ عن ذلك ، وإنه ينزل كذلك ثم يكون تلوثه بجراثيم الأمراض بعد ذلك بمكوثه في الأرض واستقراره بها . وإنه في الشريعة يطهر الإنسان طهارة حسية بإزالة الأنجاس الحسية ، وطهارة