تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5291

مساهمون:

ص٥٢٩١
وجعل النهار نشورا ، أي جعل النهار فيه النشور ، أي الانتشار للحركة والعمل ، وفي كلمة نشور إشارة إلى أمور ثلاثة : أولها - إبعاد إلى لباس الليل وإنهاء لسباته ، وثانيها - الحركة العاملة التي بها يعمر الكون ، وثالثها - الكسب في الحياة وظهور الأعمال خيرها وشرها ، ولذا قال تعالى في الآية التي تلونا ،
وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ
أي كسبتم بالنهار ، وسمى اللّه تعالى النهار نشورا ، فسمى الزمان باسم ما يقع عليه ، وهذا مجاز علاقته الظرفية ، وفي ذلك ما يفيد أنه زمن حركة وعمل ، وليس زمن توان وكسل ، وهذه دعوة إلى العمل ، فالعمل حياة ، والكسل موت . وهذه الآية متصلة بما قبلها ، فالآية السابقة شرحت عجائب في خلق النهار من الليل كيف يبتدئ بمد الظل ، ولو شاء لجعله ساكنا ، وكيف جعل الشمس مشرقة داعية إلى العمل والحياة ، وكيف قبض الظل متدرجا حتى جاء الليل ، وفي هذه الآية :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً . . .
بين سبحانه حكمته في خلق الليل والنهار ، إذ يبدأ النهار بمد الظل ، ثم يقبضه متدرجا في قبضه ، حتى يجئ الليل ، ومن الليل النهار ، وجعلهما خلفة . بعد بيان نعمته على عباده في الليل والنهار ، وبيان أن النفوس تستروح الراحة في الليل ، وتنهض للعمل في النهار لطلب الرزق بين سبحانه أنه يرزق الناس بما يكون مادة عملهم ، وفيه معاشهم ، فقال الحكيم العليم الخلاق العظيم :
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
. الضمير للّه جل جلاله الذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة ، وأرسل الرياح أطلقها ، كأنها مقيدة بإرادته سبحانه ثم أرسلها ، والرياح جمع ريح ، وهي تتلاقى في استقامتها مع الراحة ، كما تتلاقى في وقائعها مع الراحة أيضا ، وإن كانت المعاني ليست واحدة ، أطلقها سبحانه وتعالى لتكون مبشرة للناس بنزول الماء الطهور ، ولذا قال تعالى :
بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ
وبشرا مخففة من بشر بضم