تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5271

مساهمون:

ص٥٢٧١
وغيظه وندمه على أن فاته وقت العمل ، وقد ووجه بعاقبة ما أهمل ، وإنكاره ليوم البعث الذي رآه رأى العين ، وشاهده وهو الآن يلقى ويلاته وآلامه . ولسان حاله يقول :
يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
ويا هنا ليست للنداء ، ولكنها للتنبيه على ما يتمناه نفسه وقد فات وقت الأماني ، وتمنى الأماني ، وقد فات وقتها ، وسجل عليه فواتها ، أو نقول إن يا للنداء ، وتنادى فيه الأماني التي فاتته نادما ، ولات حتى يندم . والأمنية التي كان يتمناها ، وهي قوله :
اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
، أي لم أفارقه ، ولم أعانده ، ولم أكذبه ، وقد كان الصديق الأمين ، والرسول هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن البيان كمال شخصه ورسالته ، ومعنى
اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
أي سرت في مساره غير مفارق سبيله الذي اختار ، وتنكير سبيلا للإشارة إلى كرم طريق الرسالة والهداية الذي فارقه ، ولم يسر فيه ، بل ضل عنه ضلالا بعيدا . والظالم هو من اتصف بالظلم في عبادته فأشرك ، وإن الشرك لظلم عظيم ، أو آذى المؤمنين أو كان يعثو في الأرض فسادا ، فليس المراد شخصا أو أشخاصا ، وإن كانت الآية قد اقترن نزولها بظلمهم .
يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
. ويلتا : الألف مقلوبة عن ياء المتكلم ، والويلة بمعنى الهلاك ، فهو ينادى هلاكه الذي نزل به ، وذلك للشعور بما نزل به ، فكأنه ينادى بهلاكه إيماء إلى نزوله به ، وكأنه يناديه تحسرا ، وكأنه يقول يا هلاكى أقبل فهذا وقتك ، فإنك نازل لا محالة ، وفيه إشعار بأنه يستحقه ، ولقد كان في الآية السابقة يتمنى أن يتخذ مع الرسول السبيل الجيد المستقيم ، فهنا يتمنى أنه لم يتخذ فلانا خليلا صادقا يخاله ويوده ، ويقترن به ويتبعه ، ليت وهل ينفع شيئا ليت ، وفلان كناية عن صاحبه وأصحابه ، ويتمنى أن لو كان لم يتخذهم أخلاء له ، ويتحقق قوله تعالى :
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
( 67 ) [ الزخرف ] .