تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5272

مساهمون:

ص٥٢٧٢
وهذه الآية وإن كان موضوعها في اليوم الآخر ، يشير إلى سبب الفساد بين الناس في دار الابتلاء ، والسبب يتلخص في أمرين : أولهما - صحبة السوء ، فإن صاحب السوء أخو الشيطان يسهل للشيطان سبيله ، ثانيهما - الرأي الفاسد ، فإنه يكثر فيه خلان السوء ودعاة الشر ، والتخذيل عن الخير ، ولقد قال سبحانه في وصف خليل السوء ،
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي
اللام واقعة في جواب قسم مقدر ، وهي والقسم المقدر تفيدان التوكيد ، وقد تفيد التوكيد أيضا ، و
أَضَلَّنِي
أي أبعدنى وأوقعني في الضلالة منصرفا عن الذكر الذي يذكرني بربى وهو القرآن والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وما اشتمل قوله عليه السّلام من تذكير باللّه والإيمان ، فالذكر يشمل القرآن والنبي ، وما اشتملت عليه الدعوة المحمدية من تذكر مستمر باللّه تعالى ، فقرين السوء أبعده عن الحق والتذكير به إبعادا تاما . وحدّ وقت الذكر ، وهو وقت مجيئه الذي يكون فيه الهدى والضلال ، وفي ذكر هذا الوقت إيذان بأنه قد جاء المذكر ، ولم يجب داعيه ، وإيذان أيضا بأنه لا سبيل له إلى استعادة ما فات ، وتغليظ لفساد صحبة صاحبه . وقوله تعالى :
وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
هذه الجملة السامية من كلام اللّه تعالى وأحكامه من كلام الذي يقول :
لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
. فإن كانت من كلام اللّه تعالى فهو سبحانه وتعالى يقرر حقيقة ثابتة في الناس ، والشيطان هنا هو الخليل الذي يدعو إلى السوء ؛ لأنه يكون كالشيطان تسرى نفثاته في نفسه كما تسرى نفثات الشيطان ، والشيطان خذول للإنسان يخذله عن السير في طريق الخير وهدايته . وعلى أن هذا من كلام الكافر يوم القيامة ، يكون رميا لخليله الذي أضله بأنه كالشيطان أفسد قلبه وإدراكه وخذله عن أن يسلك مسلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويتخذ سبيله صلّى اللّه عليه وسلّم الحق والذكر والمعرفة ، والهداية والبعد عن الضلال ، وخذول صيغة مبالغة من خاذل ، وهو الذي يجعل الشخص المقدم على أمر يتردد فيه ولا يفعله ، والمراد هنا هو التخذيل عن فعل الخير ، وسلوك الطريق الأقوم ، والأهدى سبيلا .