تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5268

مساهمون:

ص٥٢٦٨
كوة مفتوحة ، وقد روى عن علي كرم اللّه وجهه أن الهباء المنثور هو شعاع الشمس الذي يبدو من الكوة ، ويراد بالهباء ذرات التراب التي لا تظهر إلا في الضوء الساطع من الكوة لدقته ، والمنثور معناه المفرق في الهواء وكأنه لا وجود له ، أو لا يحس بالبصر متميزا عن غيره . وقوله تعالى :
وَقَدِمْنا
، أي عمدنا إلى ما عملوا من عمل يرونه برا يكافئون عليه ، فجعلناه كالهباء المفرق في الهواء لا يرى ؛ ذلك لأن البر إنما يكون مع النية المحتسبة عند اللّه ، وهؤلاء ليست لهم نية محتسبة لأنهم لا يعبدون اللّه ، بل يعبدون الأوثان ، ولا يرجون سواها ، فهم آثمون بعملهم لفساد نياتهم . هذه حال المشركين فيما يعملون من أعمال يحسبون أن فيها خيرا ، وهي ضلال في ضلال لفساد النية ، أما الذين لهم البشرى فهم أصحاب الجنة .
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
. أصحاب الجنة هم المتقون كقوله تعالى
أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
وعبر سبحانه عن المتقين بأنهم أصحاب الجنة ، أي الذين اختصوا بها ويلازمونها ، كما اختصت بملازمتهم ، وأفعل التفضيل ليس على بابه لأنه لا خير لغيرهم يفاضلون به بينهم وبين أهل الجنة ، إنما المعنى الظاهر أن أصحاب الجنة أتاهم في الاستقرار والبقاء خير لا يقادر قدره ، ولا علو لغيره ، ولا يعلوه شئ في الوجود ، والمقيل اسم مكان من قال يقيل ، أي أنه استراح في القيلولة ، وأفعل التفضيل على غير بابه ، أي أن لهم استراحة في وقت القيلولة ، ليس هناك ما يماثلها في حسنها وراحتها ، وعبر عن راحة الجنة باستراحة وقت القيلولة ؛ لأن الراحة في هذا الوقت تكون متعة في ذاتها ، وقد شبهت راحة الجنة بهذه الراحة لحسنها ، ومتعتها ؛ ولأن الجنة مقابلة بالنار ، فكانت كأنها الراحة في وسط القيلولة ، أي أن المجرمين في وقت راحة الجنة واستمتاعهم يكونون في ستار من الجحيم ، وعذاب الخلد .