تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5212

مساهمون:

ص٥٢١٢
العدالة المجردة ، بل قامت على أساس أعراف الحكام ، وما يشته الناس ، ولذا عطلت الحدود ، وأضاعت حقوق الناس . ولقد قال اللّه تعالى مستنكرا حالهم هذه :
أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
( 50 ) . هذا استفهام توبيخى ، وهو إنكار للواقع من أمرهم ، والمرض الذي يصيب القلب إما النفاق ، وإما ضعف الإيمان ، فهو تشبيه للمرض النفسي من ضعف الإيمان بالحقائق وعدم الإذعان للأحكام الشرعية ، بالمرض الجسمي الذي يضعف فيه الجسم ، وقد تدرج سبحانه في توبيخ من هذا حاله فابتدأ بضعف الإيمان والنفاق ، ثم ثنى في التوبيخ بأنهم واقعون في الارتياب في حقائق أصل الدين والإيمان ، ثم قال سبحانه ما هو أعظم من ذلك فقال :
أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
، يحيف معناها يجور في الحكم ، ولا يجدون العدل عند اللّه ورسوله ، وهذا انتقال من دركة إلى دركة في التوبيخ ، فوبخوا أولا بضعف الإيمان ومرض القلوب ، ثم كان التوبيخ ؛ لأنهم يرتابون في الحقائق الإسلامية ثم كان التوبيخ الأشد ؛ لأنهم يحسبون أن اللّه ورسوله يجوران ، فكان ذلك ترقيا في التوبيخ ، حتى وصل أعلاه وهو الكفر البواح برمى اللّه تعالى بالظلم ، وهم الظالمون ، ولذا قال تعالى :
بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
« بل » للإضراب ورد ما يومئ إليه حالهم ، فهم الظالمون لأنفسهم بالضلال الذي اختاروه ، وهم الظالمون لأنهم اختاروا الحكم الظالم ، وتجانفوا عن الحق للإثم ، وقد أكد اللّه تعالى ظلمهم بالجملة الاسمية ، وبقصرهم على الظلم ، وقصر الظلم عليهم ، وبكلمة
( هُمُ )
ضمير الفصل المؤكدة لظلمهم . هذا مقال المنافقين وضعفاء الإيمان ، أما مقال المؤمنين ، فقد ذكره بقوله تعالت كلماته :
إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 51 ) .