تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5214

مساهمون:

ص٥٢١٤
بأنه رجعي ، وأنه يريد أن يعود بالأمة إلى الوراء ، ويقولون تقدم الأمة أمامها لا وراءها . وفي الحق : إننا إذا دعونا إلى تطبيق حكم القرآن والسنة ، إنما ندعو إلى الحق في ذاته وإلى العدل ، وإن القرآن إذ يدعوهم بالحق والعدل في ذاته الذي لا يفرق بين الناس ، تدعوهم الأمة النصرانية إلى تحكيم الأعراف من غير نظر إلى كونه عدلا أو باطلا ، ويقولون بل نتبع أعراف الناس ، وما أشبه هذا بقول المشركين ، بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ، وإننا نترك حكم القرآن وهو النور ، وهو الحق وهو العدل وهو الفضيلة ، وهو حبل اللّه الممدود إلى يوم القيامة ، ونأخذ بالأحكام التي تبيح الزنى وشرب الخمر والربا والسحت ، وأكل أموال الناس بالباطل ، وأحكام اللّه هي العدل كما تشهد الفطرة ، وكما يشهد الإنصاف . . . نترك الحق ونأخذ بالجبت والطاغوت . . . فهل نحن مؤمنون ! ! . إنه لا قوة لنا إلا إذا كنا عدولا فيما بيننا ، ولا نكون عدولا حقا إلا إذا أقمنا كتاب اللّه وسنة رسوله ، وتركنا وراءنا ظهريا تلك القوانين ، فهي الطاغوت ، وهي والفضيلة نقيضان لا يجتمعان . وإن حكم اللّه تعالى الأخذ به من تقواه ، والاعتصام بالعروة الوثقى ، ولذا قال تعالى :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ
( 52 ) . الواو عاطفة استئنافية ، لبيان أن من يتقى اللّه ويخشاه هو الذي يفوز حقا ، ونجد هذا الكلام فيه شرط وجزاء ، والشرط مكون من أجزاء ثلاثة بعضها مترتب على بعض . أولها : طاعة اللّه ورسوله ، بامتلاء القلب بالطاعة . بحيث يخضع له ظاهرا وباطنا ، ويخضع قلبه مع خضوع كل جوارحه ، وهذا هو الجزء الأول ، أو النقطة الأولى من الخط المستقيم الذي يبتدئ بالطاعة ، وامتلاء القلب ، ثم ينتقل من الطاعة الخاضعة الخانعة إلى الخشية ، خشية اللّه تعالى ، إذ يعلم ذاته وصفاته ، ويمتلئ بهيبته وطاعته ، كما قال تعالى :
إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ . . .
( 28 ) [ فاطر ] ،
زهرة التفاسير — صفحة 5214 | محمد أبو زهرة