في الطيبين من الرجال ، وهم منحصرون فيها لا يتجاوزونها إلى خبيث الأقوال ، وقد عد هذا احتمالا في الآية الزمخشري ، والاحتمال الثاني الذي ذكره أن المراد بالخبيثات النساء ، وكذلك الطيبات ، وإلى هذا نميل ، فليس موضوع الكلام خبائث الأقوال ، وطيباتها ، إنما موضوعها البريئات من النساء والبرآء من الرجال الذين يرمون بخبث القول ، فهي أولى بأن تفسر بموضوعها .
والخبيث هو من قام به الخبث ، وهو الرجس الحسى ، وقد شبه الرجس المعنوي ، وهو فساد النفوس وارتكابها موبق الأفعال من زنى وشرب خمر وسرقة ، واختلاس واغتصاب بالخبث الحسى ، كما في قوله تعالى :
. . . إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا . . .
( 28 ) [ التوبة ] .
وقوله تعالى :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
هو من قبيل القصر ؛ لأن فيه تعريفا للطرفين ، ومعنى ذلك أن الخبيثات لا يكن إلا للخبيثين من الرجال ، أي لا يمكن أن يكن أزواجا إلا للخبيث من الرجال ، إذا لا يقدم عليهن إلا مثلهن ، وكذلك كان القصر في الجملة الثانية ، والخبيثون للخبيثات ، أي انحصر زواج الخبيثين في الخبيثات من النساء ، أي لا ترضى بواحد منهم زوجا لها تجتاز معه مرحلة الحياة إلا الخبيثات من النساء ، فلا ترضى شريفة طيبة برجل خبيث النفس والقول والعمل .
وكذلك الطيبات للطيبين هو أيضا فيه قصر بتعريف الطرفين ، أي أن الطيبات من النساء لا يقبلن إلا زواج الطيبين ؛ لأن الطيبة الكريمة لا ترضى أن تكون فراشا إلا للطيب الكريم ، ولا يرضى ذووها إلا بكريم طيب ذي خلق ودين ، والطيبون ذوو الأخلاق الذين لا يختارون إلا كريمة ذات خلق ودين ، والشطر الأول كقوله تعالى :
الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ . . .
( 3 ) [ النور ] .
أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
الإشارة هنا إلى الطيبين والطيبات ؛ لأنهم الأقرب في الذكر ولأنهم الذين يأثم الخبثاء بالقول القاذف فيهم ، والتبرئة لا تكون إلا لمن يرمى بالقول الخبيث .