دهاء ، ولا مكر ، لأنهن لا يعرفن الأمور ولم يرزن الأحوال فلا يفطنّ لما تفطن له المجربات العارفات .
وإن الغافلات أيضا لا ينتبهن لمقالات الآثمين ، ولا يعملن على ردها ، وسوق الفاسدين إلى القضاء ليقيم عليهن حد القذف ، وقذف هؤلاء أعظم جرما ، وأدل على اللجاجة في الأذى والاستهتار في القول من غير تأثم ولا تحرج ،
الْمُؤْمِناتِ
، أي اللاتي يجملهن الإيمان ، ويزيدهن عفة فوق عفتهن بالفطرة السليمة النقية الطاهرة ، وقد ذكر سبحانه عقاب خسة هؤلاء الذين يرمون المحصنات الغافلات فقال :
لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ
أي طردوا ونبذوا في الدنيا ، فليس لهم فيها ذكر طيب ، ولا كرامة لهم ، ولا احترام لخساسة نفوسهم ، ولعنوا في الآخرة فهم مبعدون عن رضا اللّه ، وعن أن ينظر إليهم ، ولا يكلمهم ؛ لأنهم قد دنسوا ألسنتهم بإشاعة هذا الهجر من القول ،
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
وهو دخولهم في الجحيم .
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 24 ) .
يَوْمَ
متعلق بقوله تعالى :
وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
، أي أن ذلك العذاب العظيم يكون في يوم لا يخفى فيه آثم ، ويكون كل شيء شاهدا على ما أجرموا ، وقد صور اللّه تعالى ذلك بأن ألسنتهم تشهد عليهم بما اخترصوا فيه ، وأرجلهم تشهد بما سعوا فيه بالباطل ، وأفسدوا به الناس ، وأيديهم تشهد بما بطشوا ، وما فعلوا من آثام ، وشهادتهم منصبة على ما كانوا يعملون .
هذا كله متعلق بحادث الإفك ، ذكر في بعض الآيات ما هو موضوع الإفك حول أم المؤمنين عائشة ، وبعضه عام ذكر لمناسبة الحديث عن هذا الإفك الأثيم ، ولقد قال الزمخشري رضى اللّه عنه في هذا المقام ما نصه :
« لو فلّيت القرآن كله وفتشت عما أوعد به العصاة لم تر اللّه تعالى قد غلظ في شيء تغليظه في إفك عائشة رضوان اللّه تعالى عليها ، ولا أنزل آية من الآيات القوارع المشحونة بالوعيد الشديد ، والعتاب البليغ ، والزجر العنيف ، واستعظام ما ركب من ذلك واستفظاع ما أقدم عليه ما أنزل فيه عن طرق مختلفة وأساليب مفتنة ،