وقد ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله :
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
، أي كثير المغفرة تعم رحمته بكثرتها ، وذكر هذين الوصفين في هذا المقام دعوة للناس بأن يتخلقوا بصفات اللّه ، وإن كانت لا تليق إلا بذاته وجلاله .
وقد يستنبط الفقهاء من هذا خطأ من يقول إن الزكاة لا تصرف لعاص ؛ لأن ذلك يتنافى مع معنى هذه الآية ومغزاها الكريم ؛ ولأن منع العاصي ربما يؤدى إلى إسرافه في المعصية ، والرفق به قد يقربه ويهديه .
وبعد هذا الأدب الكريم الذي يعم ولا يخص الصديق وابنته - بين بعد ذلك عقاب الذين يرمون المحصنات ، فقال عزّ من قائل :
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 23 ) .
هذه الآية عامة في كل من يرمى محصنة ، وهي التي عرفت بالتقوى والبعد عن الخنا ، وليس موضوعه من رمى عائشة - رضى اللّه عنها - بل من يكون لسانه غير منضبط ، يرسل القول إرسالا ، بين المؤمنين في المحصنات ، فهي تعم كل من ليس عفيف اللسان يرمى النساء بالفحش ، لأدنى شبهة ، وإن الكامل يعف لسانه عن النطق بالهجر .
والمحصنة هي التي لم ترتكب الخنا ، وهي عفيفة عرفت بالعفة ، ولم تعرف بالفجر ،
الْغافِلاتِ
الغافلة هي الطيبة الطاهرة التي ليس عندها خبرة ، ولا معرفة بأحوال الناس ، وشأن المرأة التقية أن تكون في غفلة عما يلهو به الناس ، لا تعرف الرذيلة ولا ترتكبها ، فيها غرارة ، وسذاجة ، والمؤمن كما في الأثر : غر كريم ، والمنافق خب لئيم « 1 » ، وليس المراد أنها بلهاء ، بل تفسر الغافلة بأنها الساذجة المستقيمة النفس التي تعيش بالفطرة ولا تجانفها . وقد قال الزمخشري في تفسير معنى الغافلات : الغافلات السليمات الصدور التقيات القلوب اللاتي ليس فيهن
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .