وقوله تعالى
فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
، ليست جواب الشرط ، بل هو يومئ إليه ؛ لأنه علة ، ويكون مجرى البيان : ومن يتبع خطوات الشيطان فهو منساق إلى الفساد ، لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر ، وعبر سبحانه عن وسوسة الشيطان وإغوائه بالأمر لأنه يستولى على من اتبعه ، وكأنه سلطان مسيطر يأمره وينهاه ، ولا سلطان على نفس الضال غيره ؛ لأنه رضى مسلك الشيطان طريقا ، وهو ينته لا محالة إلى الضلال الذي لا هداية معه قط .
وإن اللّه سبحانه بفضله ورحمته لا يترك الناس تحت إغواء الشيطان ، ودنسه ، ولذا قال تعالى :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
( 21 ) .
الزكاة تطلق بمعنى التنمية ، وتطلق بمعنى الطهارة ، وهنا بمعنى تزكية العقول في النفس ، وامتلائها طهرا ، وعفافا وإيمانا ، أي أنه لولا فضل اللّه تعالى بالموعظة والهداية وتربية النفوس بالتقوى ورحمته بهدايتكم وقبولكم للحق وتجنبكم مخاوف الشيطان ما طهر منكم من أحد أبدا ، وقد أكد سبحانه جواب الشرط وعمومه أولا ب
« مَنْ »
الدالة على استغراق النفي للآحاد والجماعة ، وأكد النفي أيضا بدخول ( من ) على
( أَحَدٍ )
، كما أكده بذكر
( أَبَداً )
؛ وذلك لأن الشيطان يأتي النفوس من قبل أهوائها وشهواتها ، وشهوات النفس حلوة ، ولكنها وبيئة ، ولكن اللّه تعالى لا يترك عباده جميعا تحت غواية الشيطان الرجيم ، فهو يجتبى من عباده من يزكيه ويطهره في قلبه ولسانه ونفسه ، ولا يشاء اللّه تعالى لعبده تلك الطهارة إلا إذا سلك سبيلها ، واختار نجدها ، فيأخذه إلى ما اختار .
ثم ختم اللّه تعالى الآية بقوله تعالت كلماته :
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
، أي واسع الرحمة والفضل ، عليم بمن يستحقها ، فيتوجه إليه سبحانه وتعالى بأن يسلك به طريق الهداية والطهارة .