تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 5000

مساهمون:

ص٥٠٠٠
ولكنهم لم يعتبروا ، ولم يتدبروا أمرهم ، ولم يعيشوا حاضرهم على ماضي غيرهم ؛ ولذا قال تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
. هذا النص فيه إشارة إلى أنهم وإن كانوا ذوى أبصار تنظر وترى ولكنها عمت عن الحق ، ولم تنظره نظرة اعتبار واستبصار ، فهم عمت قلوبهم عن الإدراك وكانت غير مبصرة للحق ، ولا نافذة إلى لبه ومعناه ، وفي الكلام مجاز بالاستعارة إذ شبه عدم إدراك عقولهم للحق وعدم إذعان قلوبهم بالعمى - بجامع عدم الإدراك في كلّ ، وقوله :
الَّتِي فِي الصُّدُورِ
ترشيح للاستعارة وإبعاد للأبصار عن أن يكون عماها هو المراد ؛ لأنها في الوجوه دون القلوب ، والضمير في
فَإِنَّها
ضمير الحال والشأن أي الحال والشأن لا تعمى الأبصار وإن المشركين مع أن الرسوم والآثار تعلن ما نزل بالغابرين ، يتحدونك فيستعجلون العذاب ، فقال تعالى عنهم :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
( 47 ) . السين والتاء للطلب ، والمعنى يطلبون العجلة بالعذاب متحدين زاعمين أن ذلك الإنذار لا يقع كما قالوا :
. . . فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
( 70 ) [ الأعراف ] ، وإن هذا التحدي منشؤه غفلة في نفوسهم وعقولهم ، إذ حسبوا أنه لن يجئ ، على حسب زعمهم ، فأكده اللّه تعالى بقوله :
وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ
، فهو جاء لا محالة . وكل ما يأتي واقع وقريب مهما يكن تمادى الزمان ، وإن الزمان قريب أو بطيء ، هو بالنسبة للعباد ، أما عند اللّه فإنه لا تحكمه الأزمان والأماكن ،
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
؛ لأن أزمان أهل الدنيا ، أعراض لأحوالهم ، أما الزمن عند اللّه فهو غير مقدور ولا معدود ؛ ولذا قال تعالى :
وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
فلا تستطيعوا أن تقدروا زمنا لما يعدكم به ، فلا يقال لكم هو مائة أو مائتان ، ولكن هو محكوم بإرادته وتقديره سبحانه ، وهذا
زهرة التفاسير — صفحة 5000 | محمد أبو زهرة