تصوير لإمهال اللّه في تقديره ، وهو العظيم الحكيم العلى القدير ، وتقديره سبحانه ، اليوم عند اللّه تعالى بألف سنة مما نعده بالأيام والليالي ، إشارة إلى أنه لا يعدّ وهو فوق تقديركم ، والعرب ما كانوا يعرفون إلا الألف ومضاعفاته عدّا ، روى أن أعرابيا أعطاه الخليفة ألف دينار ، فذكر ذلك لبعض صحبه ، فقال له : لو طلبت أكثر لأعطاك ، فقال الأعرابي : ما كنت أعرف فوق الألف عددا ، فذكر الألف تقدير بأكبر عدد نعرفه ، أو إطلاق للعدد ، فالمعنى أنه ليس لكم أن تتصوروا سنين معدودة ، بل إن وعد اللّه بالعذاب سيجيئكم لا محالة ، ولا تتحدوا رسوله ، وإنهم يرونه بعيدا ، ونحن نراه قريبا .
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
( 48 ) .
في الآية السابقة استعجلوا العذاب وتحدوا النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يأتيهم به قريبا بعد أن ذكر لهم اللّه القرى التي أهلكت وهي ظالمة ، وفي هذه الآية ضرب لهم الأمثال بمن أملى لهم ، وأمهلهم من القرى ، وأن ذلك الإمهال قد غرهم أو اغتروا به ولم يفلتوا فقال :
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ
، ف
كَأَيِّنْ
هنا كأختها السابقة بمعنى ( كم ) الخبرية الدالة على الكثرة ، أي كم من قرية أهلكناها
وَهِيَ ظالِمَةٌ
، والجملة حالية ، أي وهي في حال ظلم قد أحاطوا بأعمالها من شرك وعتو ، وكبر وفساد في الأرض فأمهلها سبحانه مع بقاء هذه الحال ، ثم جاءها العذاب من حيث لا يتوقعون بياتا أو هم قائلون ، أو ضحى وهم يلعبون .
ولذا قال تعالى :
ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
،
ثُمَّ
للتراخى ليتناسب التراخي مع الإمهال الذي أملى اللّه تعالى به لهم ، وإضافة الأخذ إليه سبحانه فيه تهديد شديد لأن الآخذ لهم القوى الجبار الذي لا يفلت عن قدرته شئ ، ثم قوله تعالى :
وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ
، أي أنهم يصيرون إليه سبحانه ، وهو الذي أنذر وأرسل الرسل مبشرين ومنذرين ، وهو شديد المحال ، يجزيهم بما اكتسبوا من سوء وإيذاء وإضلال .