لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ . . .
( 2 ) [ الفتح ] ، وما كان له صلى اللّه عليه وسلم ذنب ، ولكن اللّه تعالى يخبر نبيه بمحبته ، إن المغرورين هم الذين يستكثرون حسناتهم ، ويستصغرون سيئاتهم ، وحالهم هذه قد تجرهم إلى العصيان والوقوع في الشر ، وما دام الرجل يستصغر ما فعل من حسنات ، فهو لا يدلّ بها ، ولا يمنّ على اللّه ، كما حكى عن بعض الأعراب قال :
يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا . . .
( 17 ) [ الحجرات ] .
والرزق الكريم بعد المغفرة هو دخول الجنة ، فهي ذاتها رزق كريم ، وفيها كل ما تشتهى الأنفس ، وأنهار جارية من تحت أشجارها ، وعسل مصفى ، وأنهار من خمر لذة للشاربين وحور عين ، وغير ذلك ، وكل رزق من اللّه كريم رزق المتقين إياه ، وهو رزق سخى طيب ، جزاء ما فعلوا من خير ، وكفوا أنفسهم عن الأهواء والشهوات ، وهو رزق واسع دائم ، ونعيم مقيم .
هذا
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ
( 51 ) .
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ
، أي اجتهدوا في آياتنا لا لإدراكها ومعرفة ما فيها من حجة وبرهان ، بل ليغالبونا فيها ويعاجزونا ، أي ليبادلونا المناقشة في إعجازها ، ودلالاتها على رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم وعلى وحدانية اللّه تعالى جل وعلا ، وقد قال الزمخشري في هذه الآية : « وسعى في أمر فلان إذا أصلحه أو أفسده بسعيه ، وعاجزه : سابقه ؛ لأن كل واحد منهما في طلب عجز الآخر عن اللحاق به ، فإذا سبقه قيل أعجزه وعجّزه ، والمعنى سعوا في معناها بالإفساد من طعن ، حيث سموها سحرا وأساطير الأولين ، ومن تثبيط الناس عنها سابقين ، أو مسابقين في زعمهم وتقديرهم ، طامعين في أن كيدهم للإسلام يتم لهم » .
والمرمى في هذا الكلام أن هؤلاء المشركين يجتهدون في آيات اللّه تعالى متعرفين غايتها ودلالتها لا بصدق وأمانة وإدراك سليم ، بل لغاية ، وهي معاجزة المؤمنين ، وتحويل الأمر إلى جدل عقيم ، يحاولون إعجاز المؤمنين في حجتهم ، والمؤمنون يتحدونهم أن يأتوا ، وبتحول الأمر إلى مجادلة ضاعت الحقيقة ، وتبعثرت في وسط لجاجتهم في القول .