تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4984

مساهمون:

ص٤٩٨٤
منسك لكل أمة واحد ، وإذا كان اللّه واحدا أحدا ، فالمناسك كلها في ماضيها وحاضرها له سبحانه ، وهو مبينها للماضين ، كما بينها للحاضرين ، وجعل منسك أمة خاتم النبيين هي مكة المكرمة التي بها البيت العتيق ، أول بيت وضع للناس بمكة المكرمة . و « الفاء » في قوله تعالى :
فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
هي فاء الإفصاح ؛ لأنها تفصح عن شرط مقدر ، إذ المعنى إذا كان لكل أمة منسك فاللّه الذي شرع المناسك واحد ، وكلها لعبادته والتقرب إليه سبحانه وتعالى ، كذلك كان منسككم ، وكان للماضين مناسك شرعها
فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
، « الفاء » عاطفة ،
أَسْلِمُوا ،
أي أذعنوا ، وأطيعوا متطامنين غير متمردين ، ولا متطاولين ولا مستطيلين على أحد ؛ ولذا قال تعالى :
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
بالثواب الجزيل والنعيم المقيم ، ورضوان اللّه تعالى ، وهو أكبر الجزاء ، فرضا الخالق بديع السماوات والأرض غاية أهل الإيمان العليا التي هي فوق كل مبتغى . والمخبت هو المتطامن المتواضع الذي لا يتعالى ، ولا يستطيل على أحد ، وقد قال الراغب الأصفهاني في مادة خبت : « الخبت المطمئن من الأرض ، وأخبت الرجل قصد الخبت أو نزله نحو أسهل وأنجد ، ثم استعمل الإخبات استعمال اللين والتواضع ،
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
، أي : المتواضعين ، فالتواضع سمة المؤمنين ، والغطرسة سمة الكافرين ، والذين لم يشرب قلوبهم حب الإيمان ، وهم ليسوا أذلاء ، بل هم الأعزاء ، ولقد قال محمد صلى اللّه عليه وسلم : « ما نقصت صدقة من مال . وما زاد اللّه عبدا بعفو إلّا عزا . وما تواضع أحد للّه إلّا رفعه اللّه » « 1 » . وقد وصف اللّه تعالى المخبتين الذين بشرهم سبحانه وتعالى بقوله :
الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
( 35 ) .
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 6544 ) ، وقد سبق تخريجه .