يكون البعد عن الإشراك ، وكل هذا إن لم يكن من الحج ليس بعيدا عنه ؛ ولذا كان الاعتراض بما هو تتميم للحج ، فالمعنى ذلك الحج بما فيه من حرمات ، وإذا كانت حرمات اللّه تعالى يجب أن تكون مصونة غير معتدى عليها ، فكذلك شعائر اللّه تعالى يجب أن تكون مصونة معظمة ، وشعائر اللّه تعالى جمع شعيرة ، وهي الأنعام التي وضعت عليها علامة على أنها خصصت للبيت الحرام تذبح فيه ؛ ولذا صحت نسبتها إلى اللّه تعالى أو إضافتها إليه عزّ وجل ، وجاء في مفردات الراغب الأصفهاني : « ويقال : شعائر الحج الواحد شعيرة . . . أي ما يهدى إلى بيت اللّه تعالى ، وسمى بذلك ؛ لأنها تشعر أي تعلم بأن تدمى بشعيرة أو حديدة يشعر بها » ، وكانت واجبة التعظيم ، لا لذات البهيمة ، بل لأنها لبيت اللّه تعالى ، ولأنها دليل الاتجاه إلى العطاء الكريم في بيت اللّه ؛ ولأنها تكون لفقراء مكة الذين يكون إطعامهم استجابة لدعاء إبراهيم ، وتعظيمها ألا تمس بسوء ، وألا يعتدى عليها ، وأن يحافظ عليها وعلى الشعار الذي أشعرت به ، وأن تختار من خير صنفها في عظامه وسنامه ، وسمنه ، وأن يكون لها أكل طيب بالنسبة لها . ويقول تعالى :
فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ
، الضمير في
فَإِنَّها
يعود إلى الشعائر ، و « الفاء » واقعة في جواب الشرط ، وهو قوله تعالى :
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ
وكانت الشعائر من تقوى القلوب لأن تخصيصها لفقراء الحرم ، والاتجاه بها في العبادة مظهر حسّى يدل على تقوى القلوب ، وهي بمقصدها وغايتها نابعة من التقوى ، وهي استشعار خشية اللّه تعالى والشعور بضيافته ، ويلتقى بالناس متساويا معهم فقيرا وغنيا ، ومعينا لفقيرهم ، ومكرما لضيوف الرحمن من الحجيج ، وأضيفت التقوى إلى القلوب ؛ لأن القلب هو مكان التقوى ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « التقوى هاهنا » ، وأشار إلى قلبه الكريم « 1 » .
هامش
( 1 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تحاسدوا ، ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبغ بعضكم على بعض ، وكونوا عباد اللّه إخوانا ، المسلم أخو المسلم ، لا يظلمه ، ولا يخذله ولا يحقره ، التّقوى هاهنا - ويشير إلى صدره ثلاث مرات - بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم ، كلّ المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه » . رواه مسلم ( 6493 ) . وقد سبق تخريجه .