تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4891

مساهمون:

ص٤٨٩١
التحريق في مقابل ما قام به من تكسير وتحطيم لأصنامهم ، حتى جعلها جذاذا فتاتا متكسرا تفرقت أجزاؤها ؛ ولذا قالوا :
وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ
، أي خذوا بثأرهم عن الحطم الذي صغر به أمرهم ، وأضعف به شأنهم ، وقال قائلهم المتحدث في جمعهم عنهم :
إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
أي إن كنتم تريدون الثأر لآلهتكم فأحرقوه ، وإلا فالمهانة والعار والشنار ، وإن ذلك يدل على أنه كان في بعضهم تردد أو عطف ، أو عدم إيمان حازم بما هم فيه من الضلال . ولكن إبراهيم المؤمن بالله وبالحق لم يعرهم التفاتا ، ولم يفزع من تهديدهم ؛ لأنه يعلم أن الحق أبقى ، ومن لا يفتدى الحق بنفسه لا يستحقه ، فلا بد فيه من فداء وقد عرف أبو الأنبياء من بعد بالفداء والبلاء فقد قبل أن يذبح ابنه لرؤيا صادقة رآها ، حتى فداه الله بذبح عظيم . ألقوا بإبراهيم خليل الله في النار ، وهو الصابر الراضي بحكم الله ، ألقوه في أتون النيران ، وقد بنى لها بناء تضطرم فيه ، ولكن أمر الله تعالى كان فوق أمرهم وقدرته قاهرة عليهم ، فألقى إبراهيم في النار وتلقفته في ساعتها رحمة رب العالمين :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
. أي كونى بردا أي باردة ليست متوهجة وهو آمن في سلام لا يجزع من رؤيتها ولا يفزع من لهبها . ومساق الكلام لا يدل على أنها أطفئت بريح شديدة ، ولا مطر انهمر عليها ، ولكنها المعجزة أنها بقيت متوهجة ولم تحرقه ، فالله تعالى أزال عنها خاصة الحرق بالنسبة لإبراهيم ، ومنعت من أن يصل أذاها إليه ، كأن بجسمه موانع مانعة وحائلا يحول بينه وبينها . نجا إبراهيم عليه السلام بهذه المعجزة الباهرة ، وكان فيها معنى التحدي لأنهم أرادوا الغلب والانتصار لآلهتهم فلم يؤذ ولا هابها ، وكان ذلك إعجازا لهم ، وكان حقا عليهم من قبل ومن بعد أن يذعنوا ، ولكن غلبت عليهم شقوتهم .