والدليل على أنه سيق للتهكم والسخرية بهم وبآلهتهم قوله بعد ذلك
فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
« الفاء » عاطفة على إخبارهم بأن رئيسهم الذي فعل ، أو « الفاء » للإفصاح ، أي إذا كان الفاعل هو أو غيرهم فاسألوهم ، وذلك فيه تهكم واضح عليهم ؛ لأنهم لا ينطقون فكيف يعبدون ، وفي التهكم أخذ اعتراف منهم بأنهم لا ينطقون ، وأنها أحجار لا تضر ولا تنفع ، وهذا برهان قاطع على ضلالهم وبطلان ما يعبدون .
إن الصدمة تدفع إلى التفكر ، وإذا كانت صدمة حق وإرشاد وتنبيه ، فإنها ربما تهدى ، وكذلك كان هؤلاء ، فقد صدموا بتكسير الأصنام وجعلها جذاذا مما جعلهم يتفكرون ابتداء ؛ ولذا قال تعالى عنهم :
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
أي تراجعوا الأمر فيما بينهم وتقاولوا ما بين مستنكر الفعل أي الكسر والحطم ، وما بين مسترشد بالحق وقد لاح نوره ، وانتهى بأن قالوا :
إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
مؤكدين أنهم هم الظالمون ، أي أنهم الظالمون وحدهم ، وقد تأكد الحكم ب « إن » وب « أنتم » ، وبالقصر ، أي أنتم الظالمون وحدكم لا أحد غيركم ؛ لأن تعريف الطرفين أوجب الحكم بالظلم وأكده ، ولكن ما هذا الظلم ؟ يحتمل الظلم في العبادة أو الظلم في عدم حراسة آلهتهم ، ويرجح أنه الظلم في العبادة ؛ ولذلك أكدوه في سورة حق ، ولكنه كان كغشاء ظاهر عار عن صميم القلوب ، ولذا قال تعالى :
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
.
لم يلبثوا كثيرا حتى عادوا إلى ضلالهم القديم الثابت في رؤوسهم ، ولبدته السنون ، حتى صار جزءا من تفكيرهم ، وعبر سبحانه عن ذلك بقوله عزّ من قائل :
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
أي بعد أن جعلتهم الصدمة التي بغتتهم يفكرون ويقدرون نكسوا في تفكيرهم ، وعبر عن ذلك العلى القدير بقوله عزّ من قائل :
نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
أي قلبت أجسامهم فصارت رؤوسهم في أسفل وأجسامهم في أعلى ، وهذا كناية عن قلب التفكير من الحق إلى الباطل ، والرشاد إلى الفساد ، وكما شبه