انقلابهم الفكري بالانقلاب الجسدي ، ليتصور القارئ المتدبر كيف عكس تقديرهم ، ونكس تفكيرهم ، والتعبير ب « ثم » هنا مع أن الأمر لم يتجاوز الخطاب ، للبعد بين الهداية التي بدرت والضلالة التي سيطرت ، فكانت « ثم » مصورة لهذا .
ولما نكسوا على رؤوسهم نكس أيضا قولهم في المجادلة ، فقالوا :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
مؤكدين أنه يعلم أن هؤلاء التماثيل لا تنطق ، وليس من شأنها أن تنطق لأنها ليست كائنا حيا فضلا عن أن يكون إنسانا ينطق ، وأكدوا أنه يعلم ذلك ب « اللام » وب « قد » ، وبالنفي ب « ما » الدالة على النفي بالماضي ، وهي واقعة على المضارع المصور لعدم نطقهم في الحاضر ، فهم لا ينطقون في الماضي ولا ينطقون في الحاضر ولا القابل ، وإن هذا ما نطقوا به معترفين بعجز هذه الأحجار عن النطق في كل الأحوال ، وأي دليل ينفى ألوهيتهم أكثر من هذا ؟ ! إنها أعجز من الإنسان فكيف يعبدها الإنسان وهي لا تنفع ولا تضر ؛ ولذا قال خليل الله :
قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ
.
لفظ من أقوالهم الحجة الدالة على بطلان ألوهية الأصنام ، لقد قالوا :
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
أي ليست لهم قدرة على الكلام فلا قدرة على شئ فليس منهم نفع مجلوب ، ولا ضرر مدفوع ، قال خليل الله عليه السلام :
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي مخالفين لله تعالى معاندين له سبحانه
ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ
أي شيئا من النفع أو الضر ، و
شَيْئاً
مفعول مطلق قائم مقام المصدر .
وقوله تعالى :
أَ فَتَعْبُدُونَ
« الفاء » تدل على أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ؛ لأنه ترتب على قولهم
ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
أنهم يكونوا يعبدون ما لا يملك ضرا ولا نفعا ، والاستفهام إنكاري لإنكار الواقع ، وإنكار الواقع توبيخ ، وهم به جديرون ، فأي عاقل يعبد ما دونه ، وهو حي وهذا جماد لا يضر ولا ينفع .
وقد ترتب على هذا أن تأفف منهم ، فدل هذا التأفف على النفور منهم عقلا ، فهي أحجار ولو كانت تماثيل منحوتة نحتا جميلا ، فهي أحجار لا تزيد على ذلك ،