تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4890

مساهمون:

ص٤٨٩٠
وعقلا لأنها تعبد ممن هو خير منها خلقا وتكوينا ، وكان التأفف أيضا ممن يعبدونها ؛ لأنهم حطوا عقولهم عن مستوى التفكير ، بل عن مستوى الإنسانية المدركة التي تقدر الأشياء وتعرف النافع والضار ؛ ولذا قال عنه عزّ من قائل :
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
.
أُفٍّ
جاء في مفردات الراغب : « أصل الأف كل مستقذر من وسخ وقلامة ظفر ، وما يجرى مجراهما ، ويقال لكل مستخف استقذارا له » ، فمعنى
أُفٍّ لَكُمْ
استقذار لكم ولما تعبدون والاستقذار هنا معنوي ، لقول الله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا . . .
( 28 ) [ التوبة ] ، وكذا الأمر في أحجارهم فهي مستقذرة يتأفف منها كما تأفف من عابديها ، وختم سبحانه وتعالى الآية بقوله تعالى :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
الاستفهام هنا لإنكار الوقوع أي بمعنى النفي مع التوبيخ وتحريض على التفكير والتعقل ، وألا يطرحوا عقولهم وراء ظهورهم . وإن المعرض عن الحق كلما جاء الدليل أعرض ونأى بجانبه ويزداد لجاجة في باطله ، هذا إبراهيم الخليل عليه السلام قد حطم أصنامهم ، ورأوها جذاذا حطاما ، وتبين أن هؤلاء لا ينطقون ، وكان حقا عليهم أن يذعنوا للحق إذ جاءهم ، ولكنهم لجوا في الفتنة والضلال وعتوا عتوا كبيرا ، وأرادوا إحراق الناطق بالحق .
قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
أخذوا الأمر أمر ممانعة ومغالبة ، وهو وحده والله معه ، والحق بحججه يصرخ به في أوساطه لا يباليهم ؛ لأنه يبالي الله وحده ، ولا يبالي أحدا سواه ، وهم بتماثيلهم وعددهم وقوتهم المادية الغاشمة وملكهم الغاشم ، فلما حطم إبراهيم - بتأييد الله تعالى ومعونته - أصنامهم حسبوا بقانون المغالبة أنه غلب أصنامهم ، فلا بد أن ينتصروا لها ، ولا بد أن ينصروها كأنها شئ يحس ويغالب ويغلب ، وكذلك سولت لهم أنفسهم ، وكذلك يدخل الضلال العقول ، ويذهب برشدها .
قالُوا حَرِّقُوهُ
التحريق المبالغة في الإحراق وإكثار حطبه ، وقد جعلوا ذلك