تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4843

مساهمون:

ص٤٨٤٣
وقد بين سبحانه وتعالى المقصد الأسمى من خلق السماوات والأرض .
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
.
بَلْ
للإضراب النافي لما قبله ، لا مجرد الإضراب الانتقالى ، والقذف الرمي من بعيد ، والرمي من بعيد يكون مؤثرا في المرمى عليه أكثر من القريب ، ويكون أدل على شدة الرمي ، و « بل » التي للإضراب تدل أشد الدلالة على نفى اللعب عن أفعاله فوق النفي السابق ، سبحانه وتعالى عما تتصف به الحوادث من لعب ، وتزجية الأوقات فهو القادر القهار الذي خلق كل شئ . وفي قوله تعالى :
نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ
تشبيه للحق بالجسم الصلب القوى الشديد ، والباطل أمامه بأنه هش ضعيف ، وذلك لبقاء الحق وسلامته وصلابته ، و
فَيَدْمَغُهُ
معناه يصيبه في دماغه ، ويقال : دمغه إذا أصابه في دماغه أو كسر دماغه ، ووصل إلى تجاويف رأسه حتى يصيب مخه فيقتله ، وفي ذلك أيضا تشبيه ، فشبه سبحانه وتعالى إصابة الحق للباطل بإصابة الدماغ ووراء إصابة الدماغ الموت ؛ ولذا قال تعالى :
فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
و « الفاء » و « إذا » للمفاجأة ، والمراد من المفاجأة سرعة الإبطال ، و
زاهِقٌ
معناها ميت ؛ لأن زهق معناه خرجت روحه ، وفي هذا الكلام أيضا تشبيه للباطل إذا زال وذهبت دولته بالنفس إذا خرجت ومات صاحبها ، وفي ذلك إشارة إلى أن الباطل لا يبقى ، والحق باق إلى يوم الخلود ، وما يرمونه من باطل فهو ميت فان ، وما يثبت من حق باق خالد . وبعد أن قرر سبحانه ذلك مؤكدا خلق السماوات والأرض لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، التفت بالخطاب للمشركين ، فقال عزّ من قائل منذرا لهم :
وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ
أي لكم الهلاك الذي يصحبه أنين وألم يستمر
مِمَّا تَصِفُونَ
« ما » موصول حرفى ، والمعنى من الوصف الذي تصفونه به ، و « من » سببية أي بسبب الوصف الذي تصفونه وأن له شركاء يعبدون ، وإنهم يكونون شفعاء عنده ، وهذه أوصاف لا تليق بالذات العلية ، وهم يقولون باطلا :
. . . ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . . .
( 3 ) [ الزمر ] .