تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4844

مساهمون:

ص٤٨٤٤
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ
. هذا النص مؤيد لمعنى الآية السابقة ، وأنه لا أحد يشاركه في ملكه ، فهو وحده المالك للسماوات والأرض ، وما فيهما ومن فيهما ، والعندية هي عندية المنزلة ، لا عندية المكان ؛ لأن الله تعالى ليس له مكان حتى يكون في هذا المكان أحد ، إنما العندية هي العندية المعنوية ، وهي المكان ، وأولئك هم الملائكة ، وهم أزواج مطهرة ليس لها مكان نعرفه وهم عباد مكرمون ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وذكر العندية كما يفيد ما ذكرنا من أنها عندية معنوية وقرب من الله تعالى ، ويفيد أيضا تشريفهم ومكانتهم عنده ، ومع هذه المكانة
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
، أي أنهم خاضعون له تعالى خضوع العبودية له سبحانه ؛ كما قال تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ . . .
( 172 ) [ النساء ] وإذا كان الملائكة لا يستنكفون عن عبادته وهم المقربون فأولى بكم أيها الناس ثم أولى أن تكونوا له عابدين ، وهم في عبادتهم مستمرون لا يكلون ولا يضجرون ؛ ولذا قال تعالى نافيا الكلام :
وَلا يَسْتَحْسِرُونَ
وهو افتعال من الحسر بمعنى انكشاف قواهم ، وظهور مللهم ، وكان النفي بصيغة الافتعال الدالة على قوة الكلال مع أن المقام يقتضى نفى أصله لا نفى الكلال القوى منه ؛ إذ إن نفى القوى من أمر لا يقتضى نفس الضعيف منه ، ولكن نقول كان نفى القوى للإشارة إلى أنهم في حال كلال قوى ، وكان يمكن أن يكلوا ، ومع ذلك استمروا دائبين في عبادتهم مع شدة التعب ، ولكن لا تعب في أمر ما داموا يرضون ربهم ، وهنا يسأل سائل لما ذا أفردوا بالذكر مع أنهم داخلون في ملكية الله تعالى ، ولما ذكر أنهم عنده ؟ ونقول في الجواب عن ذلك : أفردوا لتعظيمهم ولقربهم من الله تعالى ، ولأن بعض الناس كان يقدسهم ، بل يعبدهم ، فكان ذكرهم فيه عبرة لمن يعبدون الله تعالى ، وذكر أنهم عنده لما ذكرنا تشريفا لهم ، وللإشارة إلى قربهم من الله كما هو الشأن في الملوك ، وقال الملا أبو
زهرة التفاسير — صفحة 4844 | محمد أبو زهرة