خَلَقْناكُمْ عَبَثاً . . .
( 115 ) [ المؤمنون ] ، ولأن ما ليس له مقصد نافع صحيح يعد لعبا ، والعقلاء بعيدون عنه ، فالله جل جلاله منزه عنه بالأولى ، ولقد صرح سبحانه وتعالى بأنه خلق هذه الأمور لمعرفة الإنسان ، وتعريفه بطبائع الوجود وليعرف منها خالقه ، وكماله ، ونزاهته عن أن يكون كالحوادث ؛ إذ هو خالقهم ؛ ولذا قال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا . . .
( 7 ) [ هود ] وقال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات ] ، وقد بين سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله تعالت كلماته :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
.
لَوْ
كما يقول النحويون حرف امتناع لامتناع أي امتنع الشرط لامتناع الجواب فهو نفى بدليل ، إذ يتضمن شرطها وجوابها بيان امتناع الجواب وامتناع الشرط بتلازم الامتناع فيهما ، واللهو ما يشغل عما يعنى به ويهتم له ، وهو يعم كل ما يلهى عن الغايات والمطالب ، وهو يطلق على الأسباب التي تلهى الإنسان عن الغايات العليا ، كالزخارف والطنافس ، والسّقف المرفوعة المزخرفة ، والأثاث والرئي وغير ذلك مما يعنى به أهل الدنيا والسلاطين الذين في لهوهم يعبثون ويلعبون .
ويقول سبحانه :
لَهْواً
أي ما يلهينا ، وذلك مستحيل ، لأن الله جل جلاله لا يفعل إلا ما هو كمال ، أو يؤدى إلى الكمال وكله خير ، وهو معلم الخير ، وجواب الشرط
لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
أي لكان ذلك صادرا عن ذاتنا العليا وصفات الكمال ، واللهو لا يمكن أن يصدر عن ذاتنا المتصفة بكل كمال ، والمنزهة عن صغائر الخصال ، فكيف يصدر عنا ، و
لَدُنَّا
بمعنى « عندنا » ولكنها أخص من « عند » ؛ لأنها تدل على الابتداء لنهاية ، أي أن اللعب من لدنا مبتدئ ، وذلك لا يسوغ ولا يجوز .
وقال تعالى :
إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
إن هذه الجملة شرطية وجواب الشرط محذوف دلت عليه الشرطية التي قبلها
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
وفي ذلك تكلف التقدير ، ونحس أنه غير متسق مع النص الأول ، وإني أرى أن
أَنْ
نافية ، وتكون تأكيدا للنفي الثابت بقوله :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
ويكون : ما كنا فاعلين ذلك ؛ لأنه لا يليق بالذات الكريمة ولا يتصور أن يكون منها ، والله أعلم .