تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4839

مساهمون:

ص٤٨٣٩
نادوا نداء الحسرة ، وأشد الحسرة تكون عند الإحساس بالباطل عندما يكون العقاب عليه ولا يكون مناص منه ، ينادون
يا وَيْلَنا
أي يا هلاكنا الذي كتب علينا أقبل فهذا وقتك ، ومعنى نداءهم بهلاكهم الذي استحقوه هو أنه شعور باستحقاقهم له ، وإضافة الويل إليهم ؛ لأنهم سببه ، وقد استحقوه ، وقرروا ذلك بصريح اللفظ بقول :
إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ
، أكدوا ظلمهم ب « إنّ » المؤكدة ، وب « كنا » لأنها تدل على استمرار طلبهم ، ووصفوا أنفسهم بالظلم ، وكان ظلمهم من نواح كثيرة ، فهم كفروا برسالة النبيين وجحدوها وعاندوهم ، وآذوا المؤمنين ، وكفروا بأنعم الله ولم يقوموا بحق شكرها ، وهذا ظلم بيّن ، وأشركوا في عبادتهم ، وإن الشرك لظلم عظيم ، وعاثوا في الأرض فسادا ، وأكلوا أموال الناس بالباطل وغير ذلك مما يجئ تباعا للكفر بالأنبياء . وإنهم يستمرون على الشعور بالويل وندائه والإحساس بالظلم إلى الموت . ولذا قال تعالى :
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
الإشارة في
تِلْكَ دَعْواهُمْ
إلى
يا وَيْلَنا
، وسميت تلك دعوى يدعونها ؛ لأنها بصيغتها تفيد نداء ويلهم كأنهم يقولون يا ويلنا ندعوك ، الإشارة كما ذكرنا إلى قولهم يا ويلنا ، وهي دعوى لأنها طلب لهم ، والدعوى تطلب على طلب أمر من الأمور ، وأكثر ما تكون أمام القضاء ، فهي المطلب الحق تزعمه صاحبه ، ويعتقد أنه حق ، وسمى طلبهم دعوى مع أنه أقرب إلى الدعاء غير أنهم لا يطلبونه ضارعين مبتهلين حتى يسمى دعاء ؛ لأنهم مشركون ، إنما يطلبونه لأنه استحقاق لهم بحكم ما ارتكبوه من ظلم ، وقوله تعالى :
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ
« الفاء » فاء الإفصاح ، و
فَما زالَتْ
تدل على استمرار هذه الدعوى وبقائها ، واستمرارها يدل على استمرار التحسر والتوجع والشعور بالهلاك ، أي أنهم استمروا على الشعور بالتحسر والبكاء على ما كان ، وأشد ما يؤلم العاتى الظالم شعوره بعتوه ولقاء معتبه ، وقد صرح الله تعالى في قرآنه العظيم بالنهاية لذلك البكاء المرير بقوله تعالت كلماته :
حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
والحصيد فعيل بمعنى مفعول وهو الزرع المحصود المقطوع
زهرة التفاسير — صفحة 4839 | محمد أبو زهرة