عبادته وحده ، فلا يعبدون معه غيره ، ولو كان الله الرحمن الرحيم ، متأثرين في ذلك بقول السامري لهم : إن هذا إلهكم وإله موسى .
وقد ذكروا النهاية التي إليها ينتهى ضلالهم :
حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
.
هكذا كان هارون موحدا غير ممالئ ، وما كان لنبي أن يعتنق غير التوحيد ، ولا أن يمالئ المشركين ، ولكنها التوراة التي في أيدي اليهود جميعا لعنهم الله تقرر أنه مالأهم وعبده كما عبدوه ، وتلك فرية على نبي الله تليق بقوم مفترين ، ولا تليق بكتاب منسوب لله تعالى ، ولكن النصارى واليهود يؤمنون بذلك .
جاء موسى غضبان أسفا ، ووجه اللوم ابتداء إلى أخيه يحسب أنه قصر في التوجيه والإرشاد ، وما قصّر ، وكان كما يظهر من قوله أنه كان يرى أن يتبعه إلى المكان الذي ذهب إليه ، ورأى هارون أن يبقى معهم ، ويكرر إرشادهم ، ويرقب حالهم :
قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
( 93 ) .
خاطب موسى ردءه وأخاه هارون بتعاطف ، فناداه باسمه نداء الأخوة المحبة الأليفة ،
ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا
لهذا الضلال المأفون الأحمق ، و « إذ » للظرف الماضي أي : ما منعك وقت ضلالهم
أَلَّا تَتَّبِعَنِ
، قالوا : « لا » زائدة ، ونحن لا نرى في القرآن حرفا زائدا ، فهو كلام الله تعالى المنزّه عن الزيادة ، بل كل كلمة في موضعها ، ونقول : إن المنع بمعنى الحماية ، ومنه مكان منيع وحصن منيع . وفلان ذا منعة ، أي حماية .
وبتخريج النص السامي على هذا المعنى يكون كلام موسى لأخيه : ما منعك ألا تتبعني ، ما الذي جعلك ذا منعة وحماية على ألا تتبعني ، ويكون المعنى العام للنص ما النصير لك جعلك منيعا على ألا تتبعني ، كأنه يقول له : إنك معاونى وناصري ، فلما ذا لا تتبعني ؟ أصرت ذا قوة تحميك وتمنعك ، وتجعلك منفصلا عنى ، وأنت لي ردء ومعاون غير ممانع ، ولذا أردف هذا بقوله :
أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي
« الفاء » لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي فباعتمادك وحمايتك من غيرى عصيت أمرى ، وقد قال الأصفهاني في مفرداته : ويقال المنع في الحماية ، ومنه مكان منيع ، وفلان