إن الماء جسم ولكن لا يقال له جسد ، وقد ذكر ذلك الراغب في مؤلفاته ، فقد جاء فيه في مادة جسد ما نصه :
« الجسد كالجسم لكنه أخص ، قال الخليل : لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه ، وأيضا فإن الجسد ما له لون ، والجسم يقال لما لا يبين له لون كالماء والهواء ، وقوله تعالى :
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ . . .
( 8 ) [ الأنبياء ] ، يشهد لما قال الخليل . وقال :
عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ
وقال تعالى :
وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ
( 34 ) [ ص ] ، وباعتبار اللون يقال للزعفران جساد وثوب مجسد بالجساد » .
وأظن هذا واضحا في أن الجسد يستعمل كالجسم ، والجسم أعم من الجسد .
فقوله تعالى :
جَسَداً لَهُ خُوارٌ
لا يمنع أنه جسم لا حياة فيه ، وربما كان التعبير بالجسد مناسبا لقوله تعالى
لَهُ خُوارٌ
ولكنه جسم لا حياة فيه .
ولذا قال تعالى في بيان أنه ليس فيه حياة قط :
أَ فَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً
( 89 ) الفاء للإفصاح ، أي أنهم قالوا
هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى
وليس له من صفات الألوهية شيء ،
أَ فَلا يَرَوْنَ
و « الفاء » مؤخرة عن تقديم لأن الاستفهام له الصدارة ، والتقدير فألا يرون أنه لا يرجع لهم قولا ، أي يرد لهم قولا ولا يجيبهم في قول ، و « أن » هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الحال والشأن ، ورجع القول إجابته فهو لا يرد إجابة سائق يسوقه ، ولا قائد يقوده ، ولا يعرف قولا كما يعرف الحيوان ، فليس فيه أمر يدل على حياته حتى يعد حيا في أحياء الحيوان ، وإذا كان فإنه لا يمكن أن يكون إلها ، وإذا كان حيا فلا يمكن أيضا أن يكون إلها ، لا يمكن أن يكون إلها لأنه لا ينفع ، فهم أخطئوا لأنهم عدّوه حيا ، وكفروا لأنهم عبدوه إلها ، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا .