تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4778

مساهمون:

ص٤٧٧٨
الفتنة بينهم في جموعهم ، وهي تزيد فتنة العبادة حدّة ، فلا يمكن حينئذ أن يجتمعوا ، إذ تتسع هوّة الافتراق . وبعد أن تعاتب الأخوان وتراضيا ، وطلب موسى أن يغفر الله له ولأخيه اتجه إلى مصدر الداء ، فقال له :
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
( 96 ) . قال موسى متجها إلى السامري الذي أحدث هذه الفتنة الطحناء ، وأوجد ذلك الخطب الخطير في قوم يعبدون الله تعالى ، وقد رأوا آياته فيهم أنفسهم ، فكانوا أحق الناس بتوحيد الله سبحانه وتعالى .
فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ
« الفاء » للإفصاح ، أي إذا كان هذا هارون الرسول معي ، فما شأنك الخطير الذي كان في ذاته خطبا ، وناداه باسمه ليفيض بنفسه بين يديه ، ولا يرهبه ولا يفزع ، فلا يكشف كل ما في نفسه .
قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
، أي فطنت لما لم يفطنوا ، فإن الإبصار يكون بالعين البصرة ، والبصر الذي هو مصدر يبصر يكون بالقلب والعقل والفكر ، وقد كان السامري فطنا يعلم صناعة التماثيل ، وكان له في ذلك مهارة فائقة كالمتخصصين في هذه الصناعة ، وقد قيل إنه صنع من قبل تمثالين من شمع أحدهما لثور ، والآخر لثورة ، ولعله صنعهما أمام موسى ليعلم موسى مقدار ما بصر به من صناعة التماثيل . وقوله تعالى :
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
والأثر ليس هو أثر جبريل ، ولا فرس جبريل ، ولكنه أثر معنوي ، والرسول ليس هو جبريل ، فلم يجئ ذكر لجبريل في هذا الموضوع حتى يراد بالمعرف ب « أل » ، إنما الرسول الذي تكرر ذكره بالرسالة هو موسى كليم الله ، وأثر موسى كليم الله تعالى هو دعوته إلى التوحيد ، وإلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ، فذلك هو أثر موسى وهو أثر كل رسول