تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4774

مساهمون:

ص٤٧٧٤
إلى الكفر ، وإنما في قوله تعالى :
إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ
، أي أنه ليس له حقيقة أي حقيقة حتى تجعلوه إلها يعبد ، ولكنها فتنة نفوسكم التي أثرت فيها إقامتكم في أرض الفراعنة . قال لهم نبي الله هارون عليه السلام ذلك في إبانه ، فما قصر في إرشاد ، ولكن لم يؤثر فيهم ذلك القول ، كما لو كان من موسى عليه السلام ؛ لأن موسى الأصيل في الرسالة ، وهارون ردء له ، فلم يكن له تأثيره ، وكأنهم لا يقرون برئاسة إلا لموسى ، ومع أنه قرر حقيقة بدهية ، وهي أن ربهم الرحمن ، وطالبهم بأن يتبعوه ولا يخالفوه في أمر ، مع ذلك أعلنوا ما يفيد أنهم لا يعترفون إلا بموسى رئيسا مطاعا ، وقبل أن ننقل قولهم الذي أفاد إصرارهم نقول أولا : إن هارون ناداهم بما يقربهم إليه ويؤنسهم به ، فقال :
يا قَوْمِ
فهذا إشعار بالرباط الذي يربطهم به نسبا ، ويدنيهم إليه . ويقول ثانيا مؤكدا الفتنة التي يجب أن يتركوها ، والمفتون تزول فتنته عند أول تنبيه إليها ، ومع ذلك لم يتركوها ويعودوا إلى الصواب الذي يوافق العقول ، ويذكر ثالثا وينتقل من هذا الإرشاد إلى الأمر الذي يجب أن يأخذوا فيقول :
فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
وكان يجب أن يطيعوه لأنه رسول مع موسى وردؤه ، ومخالفته مخالفة لموسى ، ولكن رجس الوثنية قد ثبت في نفوسهم ، ولا ينخلع منه ، و « الفاء » في قوله
فَاتَّبِعُونِي
هي لترتيب هذا الأمر على أن عبادة هذا الصنم فتنة وأن ربكم الرحمن وحده ، وعبارة
وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ
تفيد القصر أي لا معبود غيره لأنه الرب الخالق المدبر لشئونكم الحي القيوم .
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى
( 91 ) العكوف الإقامة للعبادة في معبد أو مسجد أو غيره ، و
لَنْ نَبْرَحَ
من الأفعال التي تفيد الاستمرار على الحال التي هم عليها ، ولا بد أن يسبقها حرف النفي ، مثل أخواتها : « ما انفك ، وما فتئ ، وما زال » ، والنفي ب « لن » لتأكيد بقائهم على ما هم عليه من ضلال ، فإذا كان هارون قد بلغ أقصى الغاية في إرشادهم فقد بذلوا أقصى الغاية في المعاندة ، وقولهم
عَلَيْهِ عاكِفِينَ
أي مقيمين على عبادته . وتقديم الجار والمجرور لإفادة الاقتصار على