تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4777

مساهمون:

ص٤٧٧٧
كان النداء لأخيه
يَا بْنَ أُمَّ
وفهم من هذا بعض المفسرين أنهما كانا أخوين لأم ، وإلا قال : يا بن أبي ، وإنا لا نحسب أن هذا يدل على ما قالا ، وإنما يدل على كمال الحنو ، وكمال العطف والمودة والرحمة الغافرة الراضية ، فإن هذا يشير إلى أنهما اجتمعا على ثدي واحدة ودرّ عليهما غذاء واحد ، وجمعهما عطف أموي واحد وأنهما تغذيا عاطفيا بغذاء واحد ، فإذا كانا قد انفصلا أحياء ، فإن كليهما قطعتان من أم واحدة ، وأحسب أن ذكر الأب الواحد لا يتضمن كل هذه المعاني ، ولذا قال النبي * لرجل سأله قائلا : يا رسول من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال : « أمك » ، قالها ثلاثا ، وفي كل مرة يقول : « أمك » ، حتى إذا قال الرابعة : قال : « أبوك » « 1 » .
لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
هذا نهى ليس للزجر ، ولكن للمحبة وللحق ، وللبراءة من الاتهام والمؤاخذة ، وقوله
وَلا بِرَأْسِي
يحتمل أنه كان قد أخذه في غضبه من شعر رأسه ، ويحتمل أنه ذكر رأسه كناية عن تفكيره وعمله ، ويكون بذلك كنّى عن عمله وقوله برأسه التي يفكر بها ويرى ويبصر . وعلّل سكوته بعد إرشادهم وعدم اللحاق به أو استعمال العنف فيهم بقوله :
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
أي إني لم أعنف معهم ، ولم ألحق بك بل أخذتهم بالرفق خشية أن يتفرقوا ، وخشيت أن تقول لي إني أوقعت فرقة بينهم ، وفي الفرقة يكون التلافي والمقاومة ، فيقاوم كل فريق الآخر في قوله ، فتكون المجادلة ، ثم المحادّة ، ويضل فريق ، ويهتدى فريق ، وإنهم بلا شك قد انقسموا : فريق ضل ، وفريق هداه الله ، فلو قاومت الضالين ، لكانت الحدة والمنازعة والمهاترة ، فتركتهم حتى تجىء أنت من لقاء الله تعالى ، فيكون معك نوره ، فتكون الهداية . وخشيت أن تقول
وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
أي لم تلاحظ قولي أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ، وإنه بلا ريب لو تفرقوا وكنت سببا في هذا التفرق لكنت من المفسدين ، فالتفرق في ذاته فساد وضلال ، وإذا كانوا قد ضل بعضهم فهدايته ممكنة وعودته إلى الحق قريبة ، ولكن عند التفرق يكون التعصّب ، وتكون
هامش
( 1 ) سبق تخريجه .
زهرة التفاسير — صفحة 4777 | محمد أبو زهرة