وقد رتب الله تعالى حلول غضب الله على إخلافهم موعده فقال :
فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي
الموعد هنا مصدر ميمى بمعنى الوعد ، وإخلاف الوعد ألا يقوموا بموجبه ، وقد وعدوا موسى بالاستقامة والإيمان بالله وحده وترك الأوهام الباطلة التي سيطرت عليهم بسبب مقامهم في أرض فرعون .
وإن هذا الموعد بلا ريب يؤدى إلى إغضاب الله تعالى ؛ لأنه يكون إشراكا وتفريطا في جنب الله ، فلا بد أن يحل عليهم غضب الله تعالى وأن يعاد إليهم ما ذاقوه من قبل وعرفوه ، أجابوا معتذرين عن فعلتهم الكبرى .
قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ
( 87 ) .
نفوا أنهم أخلفوا موعدهم مختارين مريدين ، بل كانوا تحت تأثير إغراء شديد وتضليل كبير ، وعبروا عن فقدهم لإرادتهم الحرة الخالية من الإغراء بقول
بِمَلْكِنا
قرئت بفتح الميم ويكسرها وبضمها « 1 » ، والمراد أنهم ما أخلفوا وعدك في الوحدانية واستقامة النفس والفكر بإرادتهم الحرة المختارة ، ولكن بإغراء .
وفي هذا اعتراف بالجريمة ، واعتراف آخر بأنهم ارتكبوها وإرادتهم مسلوبة بإغراء شديد ، ولو كانوا أمام قاض من قضاة الدنيا لأخذهم باعترافهم ، واعتذارهم بأنهم كانوا مغرورين ومخدوعين لا يخليهم من العقاب بل يقرره عليهم ويثبته ، فالعبرة في الجريمة بالاختيار ، وقد كان الاختيار من غير إكراه ولا يعد الغرور إكراها .
وخصوصا أنهم هم الذين قدموا سبب التضليل ، وقالوا :
وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ
.
الاستدراك هنا استدراك من اعترافهم يتضمن الاعتذار عن ضعف إرادتهم ، وضلال نفوسهم ، وهو اعتذار سخيف كشأن بني إسرائيل في كل الأزمان
حُمِّلْنا
هذا فعل مبنى للمجهول لم يذكروا من الذي حملهم هذه الأوزار ، إنما هم الذين
هامش
( 1 ) قرأها بفتح الميم : نافع وأبو جعفر ، وعاصم غير جبلة ، وبضمها : حمزة والكسائي ، وخلف وجبلة ، وقرأ الباقون بكسر اللام . غاية الاختصار : 2 / 571 .