تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4760

مساهمون:

ص٤٧٦٠
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى
( 79 ) . أوقع فرعون في نفوس جنده أنه مدركهم ، وأنهم قاتلوهم ، إذ هم عزّل من السلاح وهم شرذمة قليلون كما قال ، وما علم هو وهم أن معهم الله تعالى على كل شئ ، وكان بهذا إضلالهم إضلالا حسيا ، ظهرت عاقبته فيه وفيهم بإغراقهم ، وإن هذه صورة جلية حسيّة من إضلالهم العقلي والديني ، فقد أضلهم فجعل نفسه إلها فيهم وأضلهم فأرغمهم في نفسه ، وصاروا ليس له معهم وجود إنساني ، ثم قال تعالى :
وَما هَدى
وهو الذي كان يقول لهم :
. . . ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
( 29 ) [ غافر ] ، فكان اندغامهم في فكره إبعادا للهداية وإمعانا في الغواية . موسى وبنو إسرائيل عاش موسى المجاهد في الحق أربعة أدوار : أولها أنه عاش في بيت فرعون تكلؤه المحبة من زوج فرعون ، وربما فرعون نفسه الذي لم يكن له ولد ، فكان في بيته بمثابة ولده ، حتى إذا بلغ أشده وأدرك المجتمع الذي يعيش فيه كان الدور الثاني ، فأدرك من هو في مصر ومن قومه ، فما ارتضى الظلم في ذاته ، ولا ظلم قومه ، فكان ربيب نعمة فرعون من شيعة المظلومين المضطهدين ، وعندئذ خرج من مصر حرّا كريما رضى بشظف العيش ، وجفوة الصحراء وخلص لله ، وقال مناجيا ربه :
. . . إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
( 24 ) [ القصص ] ، وعاش كادحا وتزوج من إحدى ابنتي شعيب ، واستمر يرعى الأغنام متمتعا بحرية الصحراء ونسيمها غير الوبيء ، وإذا كان قد حرم رافغ « 1 » العيش في بيت فرعون ، فقد منح حرية النفس وسلامة الاعتقاد ، ونعمة الكفاح ، وذوق متاعب الحياة بجوار نعيمها ، فاكتملت بذلك إنسانيته ، وعندئذ جاء الدور الرابع من حياته . وهذا الدور الرابع كان في حقيقته دورين : أولهما : لقاؤه هو وأخوه بفرعون ، وقد انتهى بغرق فرعون ، ونجاة بني إسرائيل ، ويبتدئ الدور الثاني ، وهو دوره مع بني إسرائيل ومحاولة تربيته لهم ، لقد ربوا على الاستخذاء والضعف والاستكانة ،
هامش
( 1 ) والرّفاغية : سعة العيش والخصب والسّعة . وعيش أرفغ ورافغ ورفيغ : خصيب واسع طيّب . ورفغ عيشه ، بالضم ، رفاغة : اتّسع . لسان العرب - رفغ .