تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4761

مساهمون:

ص٤٧٦١
فلا بد أن يربى فيهم العزة والكرامة ، وربوا في أحضان الوثنية فلا بد أن تزرع فيهم الوحدانية ، وربوا على الختل والاستهانة ، فلا بد أن تربى فيهم العناية والخلق الكريم ، وهذا أشق الأدوار في حياة موسى . بعد أن نجا هو وبنو إسرائيل من فرعون ، وألقاه الله تعالى في اليم ، قال الله تعالى مخاطبا لهم :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
( 80 ) . ناداهم الله تعالى مقربا مدنيا مؤنسا لهم ذاكرا سبحانه نعمته عليهم ؛ ليعرفوا حقها عليهم من الشكر فلا يكفروها ،
قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ
الذي تحكم فيكم وأسامكم سوء العذاب ، وإن هذه كانت مظاهر العداوة من ذلك الظالم الغاشم
واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ
أي الإتيان في جانب الطور الأيمن ، فالكلام على حذف مضاف ، وحذف لأن المقصود هو ذات الجزء الجانب الأيمن ، والإشادة به لأنه الجانب الذي لقى فيه ربه ، وأنزلت عليه الألواح العشرة فيه ، فهو المكان الذي كانت ذكريات نبوة موسى عليه السلام ، وهو من أولى العزم من الرسل ، والتوراة من الكتب المقدسة التي تشتمل على الشرائع الخالدة إلا ما نسخه القرآن الكريم . وقد قال تعالى :
واعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ
وهنا ملاحظتان : إحداهما أن الله تعالى جعلهم طرفا في المواعدة وهي مفاعلة تكون من جانبين ، جعلهم الله سبحانه وتعالى طرفا مقابلا لذاته ، وذلك تكريم لهم ، ورفع لنفوسهم التي استخدمت بإذلال فرعون ، فأعلاهم رب العالمين ورفع كبوتهم وأزال عنهم خسيسة الذل . والثانية أن المواعدة كانت مع موسى رسولهم ، لا معهم كلهم ، ولكن موسى يجئ بهذه الشرائع إليهم ، وقد قال تعالى في هذه المواعدة
وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . . .
( 142 ) [ الأعراف ] ؛ ولأن موسى وهو رسولهم الذي أرسل إليهم كانت المواعدة معه مواعدة لهم . ولأن موسى اختار منهم من سيلونهم في هذا اللقاء ، فقد قال تعالى :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا