والدّرك : اللحاق ، أي لا تخاف أن يلحقوك ، والدرك بالسكون والفتح الإدراك الحسى ، وهو الوصول إليك واللحاق بك ، ولا تخشى بأسه ، فأنت في أمن الله تعالى الذي لا يدرك ، من هو في آمنه و « لا » هنا للنفي لا للنهي ، فالمعنى ليس من شأنك أن تخاف اللحاق بك ، ولا تخشى بعد اليوم بطش فرعون وقومه ، والجملتان حاليتان ، وإن من يكون في أمان الله لا يخاف أحدا ولا يخشاه ، ولقد بين الله تعالى أن فرعون منعهم وحاول اللحاق بهم ، ولكنه لقى حتفه في هذا اللحاق ، ولذا قال تعالى :
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
( 78 ) .
يقال تبع وأتبع بمعنى تبع كما في لحق ، وألحق ، والمعنى وتبعهم فرعون مصاحبا جنوده وقد أرسل إليهم يدعوهم معه قائلا : إن هؤلاء لشرذمة قليلون ، وأنهم لنا لغائظون - اجتمع بكل ما عنده من جند قوى تجبر بهم وعاند ، فتبع موسى الذي جمع بني إسرائيل فكان جمع الأقوياء ، وراء جمع الضعفاء ، ولكن كان الله مع الضعفاء ، فرعون وجنده وراء موسى وبني إسرائيل ، ويحسب المغرور أن البحر حاجزهم ، ولكن رب السماوات والأرض ، ورب البحار والأنهار ، شق البحر لهم ، فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق ، وكان كل فرق كالطود العظيم ، كان البحر الذي يكون الناس فيه كدود على عود اثنى عشر فرقا كان لكل جماعة طريقا ، وتبع كل أناس إمامهم ، فرأى المغرور الطريق بين يديه يبسا كما هو بين أيدي بني إسرائيل ، وقد ضل هو وجنده ، حتى إذا تم دخولهم انطبق عليهم البحر ، وهذا معنى قوله تعالى :
فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ
أي غطاهم من البحر ما غطاهم ، وهذا من الإيجاز المعجز ، وصاروا في البحر ، فلما أدركه الغرق قال :
. . . آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ . . .
( 90 ) [ يونس ] ، والإبهام هنا لتذهب فيه النفس بالخيال كل مذهب ، وكل خيال فيه دون الحقيقة لأن جندا بأكمله ، كان يتجبر به فرعون ويستعلى ويغتر وقد جمعه كله بإرادته ، قد ألقاه فرعون في البحر إلقاء ، ولذا قال تعالى من بعد :