فيه إسرافا ، وأن ينفقه في غير موضعه ، ومنها الشح والبخل بأن يكون عبد الدينار والدرهم ، فكل هذه مجاوزة للحد ، وطغيان ، وإن الذي يترتب على الطغيان في الرزق وعدم شكره غضب الله تعالى فقال :
فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي
« الفاء » فاء السببية ، أي بسبب الطغيان ينزل بكم غضبى ، وهو أعظم ما يفقد الإنسان معاني العلو ، فغضب الله يبعد الشخص من سماء الرفعة ، ويهوى في مكان سحيق من المقت ، والبعد عن الله تعالى ، ولذا قال تعالى :
وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى
أي فقد نزل إلى الهاوية السحيقة البعيدة الغور ، ومن سقط في الهاوية فإنه يهلك لا محالة ، ولذا قالوا : إن
هَوى
معناها « هلك » ، ولذلك فسر الزجّاج
فَقَدْ هَوى
بمعنى : فقد هلك .
وإن الله تعالى يقرن رحمته بعذابه ، ومغفرته بعقابه ، ولذا قال تعالى :
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى
( 82 ) .
تابَ
عما يرتكب من كبائر وهفوات ، فالتوبة ضراعة إلى الله ، ورجوع إليه ، وهي ذاتها عبادة ، وإن الله يقبل التوبة من عباده ، والتوبة تجبّ ما قبلها من معاص ، كما أن الإيمان يجبّ الكفر ، و
آمَنَ
معناها ملأ الإيمان بجلال قلبه ، بأن قرن توبته بإذعان مطلق لله تعالى ، وكان عمله كقلبه ، ولذا قال :
وَعَمِلَ صالِحاً
بأن قام بالعبادة مخلصا محتسبا ، وعمل النافع للناس ، وكان يحب الشئ لا يحبه إلا لله .
ثُمَّ اهْتَدى
الاهتداء أن يعلو إلى درجة المهتدين الذين يخلصون عن الداني في عقولهم ونفوسهم ، ويكونون ربانيين لا يعرفون إلا ربهم ، ويطرحون كل أمور الحياة وراء ظهورهم إلا أن يكون خيرا أمرهم به ، وإن الوصول إلى هذه الدرجة وصول إلى مرتقى عال ، ولذا كان العطف ب « ثم » التي تدل على البعد ، وهذا كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا
( 30 ) [ فصلت ] .