قالَ آمَنْتُمْ لَهُ
أي أسلمتم له وأذعنتم له ، ويتضمن معنى المسايرة لموسى والمعاندة له ، يقال آمنتم له وآمنتم به ، وتتضمن التعدية باللام التسليم له والإذعان له ، وتتضمن التعدية بالباء الإيمان بالحق الذي جاء به ، وقد جاءت التعديات في هذا المقام ، فهنا التعدية باللام ، وفي سورة الأعراف كانت التعدية بالباء فقد قال تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
( 123 ) [ الأعراف ] .
وفي هذا الاستفهام إنكار للواقع ، فهو ينكر إيمانهم الذي وقع ، ويوبخهم عليه ، وموضع التوبيخ أنهم آمنوا قبل أن يأذن لهم وهو بذلك يصل بهم إلى أعلى درجات العنت والطغيان ، فهو يعلن بهذا أن حكمه يصل إلى فكرهم وقلوبهم ، ويحقق فيهم قوله ما أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد .
كان فرعون على رأس طريق أخذ يسلكه السحرة ، فلم يقل الحق ويذعن ، ويسلك سبيل الرشاد ، بل أخذ يموّه الحق بتمويه من الباطل ، فرآهم تبعوا موسى فما أذعن للحق الذي تقاضى مع موسى فيه ، بل أخذ يمارى ، ولا يقول إنه غلبهم ، لأنه على الحق ، بل لأنه أكبر منهم قدرة وطاقة ، وأنه منهم بمنزلة المعلم الذي علمهم ، فقال :
إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ
، فهو أسحر منهم وأعلم ، وهم منه بمنزلة التلميذ من المعلم ، فلم يغلبهم لأنه المحق وهم المبطلون ، وإنما غلبهم لأنه أسحر منهم وأعلم ، وهكذا كانت المعاندة لآيات الله وقد برزت .
ولأنهم على رأس طريق جديد وهو الخروج على طاعته ومقاومة جبروته ، والاستعلاء بربهم على طغيانه - وضع العقبات وأنزل بهم العذاب الشديد ، فقال :
فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
« الفاء » للسببية ، أي بسبب ما فعلتم لأقطعن أيديكم .
في هذا الكلام قسم بما يقسم به عنده ، و « اللام » لام القسم ، ولذا كانت « نون » التوكيد الثقيلة ، التي تلازم القسم في اللغة ، والتقطيع للأيدى والأرجل بصيغة التفعيل يدل على كثرة القطع ، لكثرة من قطعت أيديهم وأرجلهم ، وقوله
مِنْ خِلافٍ
أي تختلف جهة القطع ، فإذا قطعت اليد اليمنى ، تقطع الرجل اليسرى ،