أنهم كانوا سبعين ألفا والله أعلم بعددهم ، وعلى أي حال كانوا عددا غير قليل ، أفرد لأن المقصود وصف ساحر ؛ ولأن التدبير لا يمكن أن يكون من الجميع ، إنما هو من واحد وأقره الجميع عليه ، ونكر لأنه واحد من جمعهم لا يهم معرفة شخصه ، وعبر سبحانه ب
كَيْدُ ساحِرٍ
؛ لأنه تدبيره فهو ليس قلبا للحقائق ، فلم يقلب الجامد إلى حي يسعى ، وإنما خيل للأعين فقط ، فهو تدبير ماكر ، يكيد للحق ، وليس قلبا للحقائق قط .
وقال تعالى :
وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى
كان التعريف ب « أل » التي للجنس ، ويكون المعنى ولا يفلح من كان عمله السحر في أي مكان أتى ، فكلمة
حَيْثُ أَتى
حيث : ظرف مكان ، أي من أي مكان أتى ، وإلى أي مكان سار ، فهو لا فوز له أبدا ، ولكن ضلال وتمويه ، وتخيل للأعين واسترهاب للنفوس .
عندما استعان فرعون بالسحر والسحرة استعان بهم ليغلبوا ، ولكنهم كانوا المميزين بين السحر والمعجزة فأدركوا أن عصا موسى ليست من السحر ، ولكنها معجزة الله تعالى أعطاها موسى فآمنوا ، قال تعالى :
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى
( 70 ) .
يقول الزمخشري في عبرة هذه الوقائع : « سبحان الله ما أعجب أمرهم قد ألقوا حبالهم وعصيهم ، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود ، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين » ا ه . ونقول : ما أعظم الفرق بين الباطل والحق . وبين الاستجابة للباطل واستجابة للحق جل جلاله .
« الفاء » لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وكان ما قبلها هو إلقاء العصا ولقفها كل ما ألقوا وكان شيئا كثيرا إذ امتلأ المكان بالحبال والعصى التي تسعى ، حتى كأن الوادي صار أفاعي وحيات في نظر الرائي ، فكان عجبا أن تبتلعها عصا يتوكأ عليها ، ويهش بها على غنمه ، فكان الإيمان بالمعجزة ، وهم أهل الخبرة في معرفة ما هو سحر وما ليس بسحر فآمنوا بالمعجزة وخروا ساجدين .