قوله :
وَالَّذِي فَطَرَنا
، أي أنشأنا ولم نكن شيئا ، الواو للقسم لا للعطف ، والمعنى لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والله الذي أنشأنا من عدم ، فمن تكون أنت أيها المخلوق الضعيف ، ولو كنت فرعون الطاغي المتجبر بصلفك وعتوّك ؟ !
وقد رتبوا على عزمتهم النابعة من قلوب مؤمنة تفويضهم الأمور إلى ربهم والاستهانة بفرعون وبتهديده فقالوا
فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ
« ما » إن كانت موصولا حرفيا يكون المعنى فاقض قضاءك ؛ لأنه قضاء الحياة الدنيا وهي فانية ، والآخرة هي الباقية ، ويصح أن تكون موصولا اسميا بمعنى فاقض الذي أنت قاض ، ويكون الرابط في الصلة ضمير فاقض ما أنت قاضيه .
وقالوا ما يدل على الاستهانة بحكمه القاصر
إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا
هذه الحياة الدنيا ظرف ، فتقدم في الكلام ، والمعنى : إن قضاءك هو في هذه الحياة الدنيا ، وما موصول حرفى ، وإذا قضاؤك هو في هذه الحياة ، فهو قضاء تنفيذه وقت قصير ومن بعده خير طويل ، فإنما الحياة الدنيا متاع قليل والآخرة خير وأبقى ، وإن هذا يدل على كمال الإيمان بالله ، والاستهانة بفرعون وعذابه .
أول أمارات الإيمان الراسخ الإحساس بالتقصير والإذعان لله تعالى ، وهذا أمر أولئك المؤمنين الذين كانوا من قبل ساحرين ، قالوا مؤكدين إيمانهم ومؤنبين فرعون وشيعته :
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( 73 ) .
قالوا مؤكدين إيمانهم ب « إنّ » أولا ، وبالجملة الاسمية ثانيا ، وبقولهم
بِرَبِّنا
، أي الذي خلقنا وأنشأنا إنشاء ، فكأنهم يوثقون إيمانهم بأنه إيمان بمن خلق وصور لا بمن يظهر قدرته في العذاب والإيذاء لا في الخلق والإنشاء .
وذكروا ما يرجون من وراء إيمانهم فقالوا :
لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا
و « اللام » هنا لام العاقبة ، أي لتكون عاقبة إيماننا بربنا أن يغفر لنا خطايانا ، والخطايا جمع خطيئة ، والخطيئة هي الذنب الذي يحيط بالنفس ويستولى عليه ، حتى يصير كأنه صفة من صفات النفس يصدر عنه من غير تدبر ولا تفكر ، ولذا قال تعالى :
بَلى مَنْ كَسَبَ