طلب العلو فعلا ، وهذا حث على أن يشمروا عن ساعد الجد ليفوزوا برضا فرعون ، ويستعلوا عنده باستعلائهم بالانتصار في هذا الميدان السحرى ، اتجهوا بعد ذلك إلى موسى وقالوا له :
. . . يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
( 65 ) .
بادروه باسمه توددا له كما تودد من قبل فرعون ؛ ولأنه كان عندهم من بيت فرعون من قبل ، فله مكانته في نفوسهم الفرعونية ، وحسن أدب منهم ؛ لأنه قد شارفت نفوسهم الحقيقة وإن لم تدخلها ، ولذا تنازعوا فيها ، خاطبوه بأدب فقالوا
. . . يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
( 65 ) ، أي اختر لنفسك أحد الأمرين ، إما أن تلقى أنت عصاك التي في يدك ، وإما أن نكون أول من ألقى ، قابل موسى الكليم أدبهم بكرمه وقد لمح من كلامهم بإشارة القول أنهم يريدون أن يبدءوا ، إذ قالوا في تخييره
وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
فنفذ رغبتهم المطوية في عباراتهم ، ولأنه يريد أن يعرف ما عندهم قبل أن يعرفوا ما عنده ؛ ولأن الترتيب الذي ألهمه الله تعالى به ، أنها ستلقف ما يلقون ، فكان الترتيب الطبيعي أن يلقوا هم أولا ، فقال موسى
. . . بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
( 66 ) استنفذوا كل جهدهم وطاقتهم ، وقد سحروا بفعلهم أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ، وخيل إلى موسى من سحرهم أن عصيهم تسعى ، وما انقلبت حيات تسعى ، بل هي على حقيقتها حبال وعصى ، ولكن الأعين هي التي سحرت ، ولذا قال تعالى في تأثير ذلك على موسى
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
ولقد كان ذلك التخيل مفاجأة لموسى ، ولذا عبر ب ( إذا ) التي للمفاجأة ، والمفاجأة ما كانت في تحول العصىّ إلى حيات ، إنما كانت المفاجأة التي خيل إليه من سحرهم أنها تسعى ، وكان موسى عليه السلام تتمثل فيه الطبيعة البشرية ، والتخيل يؤثر في البشر وإن كان عنده الحق المبين ، ولكن لا تزول المفاجأة إلا بتأييد من الله ، والله معه :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى ( 68 ) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا . . .
( 69 )
فَأَوْجَسَ
معناها أضمر أو أحس أو خاف ، وذلك لأنه فوجئ بأمر لم يكن قد ألفه واعتاده ، وهو أن يرى تخيلا عصيا وحبالا