ونعود على عجل إلى الكلام في معنى الآية الكريمة ، إن السحرة بعد أن أفزعتهم مقولة موسى ، وبيان عاقبة قولهم إن حادوا عن الحق وآثروا أن ينطقوا على هوى فرعون حتى يتبين لهم الحق ،
قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
( 63 ) .
ضربوا على نغمة فرعون ابتداء منجاة بأنفسهم من بطشه ، والنفس الإنسانية دائما مأسورة بالأمر الحاضر مؤجلة القابل إلى ميقاته ، وكذلك كان هؤلاء
وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
، « الباء » هنا للتعدية والمعنى ليذهبا طريقتكم ، وجئ بالباء لتقوية التعدية أي ليذهبا أي إذهاب بطريقتكم المثلى ، أي دينكم الأمثل وكل معتقد يعتقد في دينه أنه الأمثل في الأديان ، وإن كان ضلالا في ضلال .
ويظهر أنه كان الخلاف مستحكما ولكن أخفوه ، ولذا قالوا .
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
( 64 ) . الفاء للسببية ، أي بسبب أنهم أرادوا بسحرهم أن يخرجاكم من أرضكم ، ويذهبا بطريقتكم المثلى ، وهو أمر جامع متفق عليه ، فأجمعوا كيدكم أي اعتزموه ، وأقدموا مجتمعين غير متفرقين ، وائتوا إلى موسى صفا لا خلل فيه ولا افتراق ولا تنازع ، واتفقوا على أمور ثلاثة :
أولها : إجماع كيدهم ، وهو تدبيرهم ، ادخلوا الحومة مجمعين على تدبير واحد غير متفرقين فإن الإجماع وحده قوة ، والفرقة ضعف وعجز ، ولا تنازعوا فتفشلوا .
وثانيها : أن يأتوا موسى صفا واحدا لا ثلمة فيه ولا افتراق ، فإن ذلك يزرع في نفسه الهيبة منكم ، قالوا ذلك وكأنهم مقدمون على ميدان قتال .
والأمر الثالث : أنهم اتفقوا راغبين في الاستعلاء وأخذ الأجر من فرعون والاستعلاء بعزته الفرعونية وكبريائه الغاشمة ، ولذا قالوا :
وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى
، أي فاز برضا فرعون من استعلى على خصمه ، والسين والتاء للطلب ، أي