تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4744

مساهمون:

ص٤٧٤٤
انصرف فرعون وأخذ يتجادل في الرأي مع أحد شوراه ، وأهل الرأي والنظر الذين يستنصر بهم ، ولذا قال تعالى :
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى
( 60 ) « الفاء » عاطفة ، أي بعد هذا الاتفاق على اللقاء ومكانه مباشرة انصرف فرعون ، وأخذ يجمع أهل الرأي ، ويتعرف الرأي الجامع منهم ، وهذا هو التدبير الذي دبره ، وسماه الله تعالى كيده ؛ لأنه كان يدبر للغلب ، يتعرف من يرسل إليه ومن يجيئون ، ويتعرف بذلك أخلص الناس له ، وأخذ هذا التدبير وقتا طويلا ، ولذا قال بعده
ثُمَّ أَتى
فكان العطف ب « ثم » التي تدل على التراخي ، وهذا يدل على أن جمع الكيد والتدبير أخذ وقتا طويلا . أتى إلى الموعد ، وموسى كليم الله تعالى قد أتى ، وقد ابتدأ كليم الله - عليه السلام - بإرهابهم بقوة الله تعالى ؛ لأنهم مقهورون بقوة فرعون وطاغوته وجبروته ، فذكر أن قوة الله أعظم ، وسلطانه أكبر فقال :
قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
( 61 ) اتجه إليهم ببيان قدرة الله تعالى وأنها تستأصل ، ليزيل برهبة الله تعالى القادر - رهبة فرعون الذي لا يملك من أمره شيئا وإنما قوته تخيل ووهم ، وهو في ذاته ضعيف كغيره من الناس . ومعنى قوله تعالى عن موسى :
لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً
معناه : لا تقطعوا كذبا ولا تقولوه في مقام الحق ، وصدّر النهى بقوله :
وَيْلَكُمْ
أي الهلاك النازل بكم إن غيرتم الحق وبدلتموه وآثرتم الباطل عليه مرضاة لفرعون وقومه ممالئين في الحق وتقولون الباطل ، ثم أكد وقوع الهلاك عليهم فقال الله عن موسى :
فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
الإسحات : الاستئصال ، وألا تبقى منهم ( باقية ) ، ومع هذا الاستئصال الخيبة ؛ لأن الافتراء أشد الخيبة وأفحشها ولا يلجأ إليه إلا الخائبون في ذات أنفسهم ، يعنى أنكم إن كذبتم وافتريتم فإن الهلاك نازل بكم لا محالة ، ولا تكونون قد نجحتم في هذا السباق الذي يكون فيه الاتجاه إلى طلب الحق .