كريما على الناس ، وثانيها : أن الناس بتوفيق الله وتوجيهه أحبوه ، فكان محببا منهم إذ زرع في قلوبهم محبته ، وثالثها : أن الله تعالى فتح له القلوب المغلقة ، ففتح له قلب فرعون المغلق ، وفتح له قلب امرأته ، فقالت :
. . . قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً . . .
( 9 ) [ القصص ] وكما قال تعالى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً . . .
( 8 ) [ القصص ] ، أي في المآل لا وقت الالتقاط ، إذ إنهم في وقت الالتقاط التقطوه ليكون قرة عين لفرعون وامرأته :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
لِتُصْنَعَ
أي تتربى تحت رقابتى وملاحظتى فلا تقهر ، ولا تذل بل تكون عزيزا كريما ، ولتضمن التربية أن تكون تحت رقابة الله تعالى تعدت ب « على » ؛ لأن معنى هذه التعدية أن الله وقد مكن فرعون من تربيته والقيام على شؤونه أشار سبحانه إلى أنه على رقابة له .
وإن في الكلام استعارة تمثيلية ، إذ شبه سبحانه وتعالى حال الرقابة على تربيته وصيانته بحال من يصنع شيئا على مرآه ونظره ، وبعض المفسرين قال : إن « على » هنا بمعنى « الباء » ، والله أعلم .
وقوله تعالى :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
، « الواو » عاطفة على فعل محذوف تقديره لتنعم بمحبة الله والناس ، ولتصنع على عين الله تعالى ، وتحت رقابته ومحبته ورعايته سبحانه وتعالى . والمظهر الثالث لمنته الأخرى هو عودته إلى أمه ليتربى في حضانتها رحمة به وبها ؛ لأن أمه ما طابت نفسها بفراقه إلا لنجاته ، ولأنها تريده لنفسها ، كما تريد كل أم رءوم محبة ، فرتب الله تعالى لها أن يعود إليها محفوظا مصونا فحرم الله تعالى عليه المراضع ، وقد احتار من في بيت فرعون في أمره ، وقد صار ملء قلوبهم جميعهم ، ولكن الله تعالى أرسل إليهم .
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ
، أي من يقوم بحضانته ورضاعه لكم فتغذيه بلبن الرضاعة ، ومن يحمل هم تربيته وخدمته ، وبهذه الرعاية الربانية عاد إلى أمه كي تقر عينها برؤيته ، ويذهب اضطراب نفسها على غيبته عنها ، ويذهب اضطرابها وخوفها عليه .