يَتَرَقَّبُ . . .
( 18 ) [ القصص ] . وقد نقول : إن الغم كان من الأمرين ، عن نفسه اللوامة التي أوجدت كمدا وغما ، ومن الخوف من فرعون ، أو من الناس وقد قتل منهم واحدا .
المظهر الخامس من منة الله على موسى الكليم عليه السلام عبّر الله تعالى عنه بقوله تعالى :
وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً
، أي اختبرناك اختبارا شديدا ، و « فتون » مصدر ك « شكور » ، ويكون مصدر التوكيد الفتنة التي فتن الله تعالى موسى ، ويصح أن تكون جمع فتن ، أما أن الله تعالى أصابه بأنواع من الفتن ، ففتنة الاحتياج ، وفتنة الغربة ، وفتنة العمل ، وهو الذي كان مرفّها مترفا في بيت فرعون .
ولكن كيف يكون فتنة الله تعالى له فتنونا أو بأصناف الفتن مظهر المنة ، أو منة ؟ ونقول في جوابنا عن ذلك : إن موسى عليه السلام تربى في بيت فرعون ، فاكها في نعيمه ، وإن ذلك لا يكون منه نبي ، بل لا بد أن يعرك الحياة وتعركه ، ويعيش بين من يستمع إلى أنينهم ، ولا بد أن يبتلى ليصل إلى مقام النبوة أو الإرهاص لها ، وذلك بأن يفتن بالفتن ويختبر بالحرمان ، وقد أدى موسى ذلك ونجح في الاختبار ، ولذلك عدّ مظهرا من مظاهر المنة وأي منّة أعظم من أن يهيئه الله تعالى للنبوة ، ويخرج من دار فرعون ليجيء إليه نبيا رسولا ينذره بالنذر ، ويقدم له الآيات تترى آية بعد آية .
ثم قال تعالى مبينا نتائج هذا الاختبار أنه سبحانه نقله من بيت فرعون إلى بيت رجل صالح ، ومن أنه كان يأكل من ترف فرعون في عيشة رخوة غير راضية ، فانتقل إلى حياة عاملة كادحة بأجل من جهد مستمر مع شعيب ، وقال تعالى :
فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ
وهي من أرض سيناء على بعد ثماني مراحل من مصر .
الفاء في قوله تعالى :
فَلَبِثْتَ
عاطفة وهي للترتيب والتعقيب مع الإشارة إلى السببية في الفاءات الثلاث ، فكان قتل النفس سببا للغمّ ، فنجّاه الله تعالى منه ثم اختبره الله تعالى ليعدّه للنبوة ، ثم استقر به المقام في آل مدين عاملا كادحا ، وصار ذا زوج طاهرة وبيت وأولاد يحمل أعباءهم . وبذلك قامت أصهار نبوته ،