وإنه في سورة القصص تفصيل لما أجمل هنا من غير تكرار ، فقد ذكر سبحانه حال أمه بعد أن ألقته في البحر فقال تعالى :
وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 11 ) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 13 ) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
( 14 ) [ القصص ] .
وبذلك ترى أن ما أجمل هنا أو أشير إليه إشارة من غير بيان قد وضح هنالك في سورة القصص من غير تكرار ، بل جزء سيق في موضعه من غير تكرار لفظ أو معنى .
المظهر للمنة الأخرى ذكره سبحانه وتعالى بقوله عزّ من قائل :
وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً
أن الله تعالى قد نجاه من الغم الذي أصابه من قتله نفسا و
الْغَمِّ
الحزن الذي يغمر النفس ويصيبها بما يشبه الغمّة ، وهنا نجد أن الله ذكر النفس ولم يذكر من أي قبيل هو ، وفي ذلك إشارة إلى سبب الغم ، وهو أنه قتل نفسا ، وحسب ذلك موجبا للغم الذي يصيب بكرب شديد من نفس كنفس موسى الطاهرة التي صنعت على عين الله ، ولقد قال موسى عندما قتلها :
. . . قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 ) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ
( 17 ) [ القصص ] .
هذا هو الغم الذي أصابه بعد قتل النفس ، وقد نجاه الله تعالى منه بأن غفر له سبحانه ، وكانت هذه نعمة أنعم الله بها عليه ، وعاهد الله تعالى ألا يكون ظهيرا للمجرمين .
وبعض المفسرين أو جلهم يقول : إن الغم الذي أصابه هو الخوف من القصاص ، وربما يؤيد هذا قول الله تعالى عن موسى :
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً