تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4724

مساهمون:

ص٤٧٢٤
بالقذف يفيد معنى الشدة في الإلقاء وذلك للمعاناة النفسية التي كانت تعتلج في قلب الأم الرءوم فكان التردد الشديد ، ثم انتهى التردد بالإلقاء ، وكأنها تقذف قطعة منها في تابوت مغلق لا تدرى بالحس ما الله فاعل به . ألقته في التابوت بمعاناة نفسية ، ثم ألقت التابوت الذي فيه موسى - قطعة نفسها - في اليم وهي في ألم مرير ، والضمير في قوله تعالى :
اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
يعود على موسى بلا ريب وأما في قوله :
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ
يحتمل أن يكون لموسى وأن يكون للتابوت ، وفي كلتا الحالين هي تقذفه وقلبها معلق به ، والأوضح أن يكون لموسى ، لقوله تعالى :
فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
فالعداوة ليست للتابوت ، وإنما هي لشخص الرسول الكليم . ويلاحظ أن العطف كله بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب من غير تراخ زمني ؛ ذلك لأن الأم الرءوم تريد المسارعة بنجاة ولدها الحبيب من الذبح ، والإلقاء هو السبيل الوحيد أمامها ، والله سبحانه وتعالى الذي ألهمها بإلهامه الذي هو وحى ، ينقذه قبل أن يموت جوعا أو تتقاذفه الرياح ، يعجل سبحانه وتعالى بالنجاة فألقاه في الساحل وقوله تعالى :
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
يَأْخُذْهُ
مجزوم في جواب الأمر ، وعداوة فرعون لله تعالى واضحة وقت الإلقاء على الساحل ، أما عداوة موسى لفرعون فستكون من القابل . وقد عبر عن وجوده على الساحل بالإلقاء دون القذف ؛ لأن القذف يكون من أعلى لأسفل ولأن الإلقاء لم يكن بمعاناة من الأم ، بل كان برحمة من الله تعالى . نجا موسى صغيرا من الذبح الذي كان يترقب كل مولود ذكر من بني إسرائيل ، ثم كانت الثانية وهي حفظه وكفالة أمه له ، وأن يكون بين أحضانها وهذا هو المظهر الثاني لمنة الله تعالى فقد ألقى عليه تعالى محبة ، فقال تعالت كلماته :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
ألقى الله تعالى عليه محبة منه سبحانه ، والمحبة التي ألقاها تعالى ذات عناصر ، أولها : أن الله تعالى أحبه ، ومن أحبه الله تعالى كان
زهرة التفاسير — صفحة 4724 | محمد أبو زهرة