وكلام الله تعالى له :
ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى
العطف ب « ثم » للدلالة على انتقاله من مكان إلى أعلى مكانة ، وهي مكانة النبوة في أعلى درجاتها ، إذ كلمه الله تكليما ، والقدر هو ما قدره الله تعالى لأن يكون رسولا نبيا كليما .
ولقد صرح الله تعالى بعظيم منزلته فقال تعالى :
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي
( 41 ) ، أي اخترتك لتكون لنفسي ، والاصطناع افتعال من الصنع ، وهو اختياره بالصنع مشددا في اختباره وهذا موضع بقوله :
وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي
، يقال : اصطنع الرجل فلانا لنفسه : جعله في موضع التكريم عنده ، وهذا فيه استعارة ، إذ شبه اختيار الله تعالى له نبيا كليما بحال من يصطنعه الأمير لنفسه من الناس ليكون في موضع الكرامة والشرف ، وأي شرف أعلى من أن يكون كليمه ، وأن يكلمه تكليما .
بعد هذا الاصطناع لموسى أمره سبحانه وأخاه بأن يقوما بالعمل العظيم الخطير فقال :
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي
( 42 ) .
كان أول ما كلفا به أن يذهبا إلى فرعون يدعوانه إلى التوحيد ، وعبادة الله تعالى وحده ، ولقد زودهما بأمرين ذكرهما :
أولهما : الآيات الدالة على أن الله تعالى بعثهما ، وذكر الآيات الدالة على أن الله وحده خالق السماوات والأرض ، وسنرى أنهما ذكرا الآيات الدالة على وجود الله تعالى وخلقه .
والثاني : أن يذكرا صفات الله تعالى الدالة على أنه وحده الإله الذي يعبد دون سواه ، وهذا معنى قوله تعالى :
وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي
، أي لا تفترا ولا تقصرا في ذكرى بصفات الكمال والجلال .
وقوله تعالى :
بِآياتِي
، أي تصحبكما آياتي ، أو معكما آياتي ، والعناية بذكر الله تعالى لفرعون ؛ لأن فرعون وقومه ما كانوا يعرفون الله كالعرب الذين بعث فيهم محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنهم كانوا يعرفون الله وأنه خالق السماوات والأرض والذي يلجأ إليه في الشدائد ويستغيثون به في الحال التي توجب الاستغاثة .