تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4714

مساهمون:

ص٤٧١٤
الثالث الذي أشار إليه هو قوله :
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
والمآرب جمع مأربة بضم الراء وكسرها وفتحها ، وهي الحوائج والمنافع ، وقال
أُخْرى
؛ لأن جمع ما لا يعقل يكون بالمفرد المؤنث كقوله تعالى :
. . . يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ . . .
( 10 ) [ سبأ ] ، فقد خوطبت الجبال بالمفرد المؤنث ، وقد روى عن ابن عباس أنه عدّ هذه المآرب فقال : « إذا انتهيت إلى رأس بئر فقصر الرّشا وصلته بالعصا ، وإذا أصابني حر الشمس غرزتها في الأرض ، وألقيت عليها ما يظلني ، وإذا خفت شيئا من هوام الأرض قتلته بها ، وإذا مشيت ألقيتها على عاتقي ، وعلقت عليها القوس والكنانة والمخلاة ، وأقاتل بها السباع عن الغنم » . وقد أفاض الرسول في الرد بعض الإفاضة باتجاهه إلى بيان منافعها فبدل أن يقول في ماهيتها : عود من شجرة ، ليستأنس بكلام ربه فهو كلام العلى الأعلى . وكانت هذه العصا بعد ذلك أداة ظاهرة للمعجزات فبها ضرب البحر فافترق ، وكان كل فرق كالطود العظيم ، وضرب الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا . ذكر موسى لربه ما ينتفع به من العصا ، فصّل ما فصّل ، وأجمل ما أجمل ، وقد نبهه الله تعالى إلى منفعة للعصا فوق كل ما ذكر ؛ لأنها تكون ليست لغيره ، وقد نبهه ربه إلى الإعجاز فيها فقال :
أَلْقِها يا مُوسى
الضمير يعود إلى العصا أي ألق ذات العصا التي بيدك ، وهي العود من الخشب ، فانظر كيف ينقلب ذلك العود إلى مخلوق آخر ، وفي ندائه عند الإلقاء بكلمة
يا مُوسى
إدناء إليه وتحبب له وتقريب ،
فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى
( 20 ) الضمير في قوله تعالى :
فَأَلْقاها
يعود إلى العصا التي هي عود من شجر والتي كانت منها المنافع التي ذكرها عليه السلام ، ولها تلك الخواص الخشبية تنقلب حية تسعى ، أي تكون من لحم يتلوى يمينا وشمالا بعد أن كانت خشبا يتوكأ عليه وله فيها مآرب أخرى وحاجات تكون من الخشب لا من حيّة ، و « الفاء » و « إذا » للمفاجأة ، وكانت المفاجأة في أنها تحولت من خشب جامد إلى حي متحرك ، والحية هي الثعبان ، ولكن لا يقال لها ثعبان إلا إذا كانت كبيرة ، ويقال لها جانّ ، وهو الرفيع السريع الحركة من الحيات ، وقد جاء في عبارة