الجبال هدا ، فالتصوير بيان بطريق التشبيه أو الاستعارة لضخامة البطلان فيها ، من حيث إنها لو كانت محسوسا يحس ونزل على السماوات لتفطرت وتقطعت أوصال نجومها ، ولو نزلت على الأرض لانشقت وهدت جبالها التي هي كالأوتاد .
ثم إن هذه الكلمة كانت تسوغ تعجيل العقاب عليهم بأن تنفطر السماء عليهم ، وتنشق الأرض وتهد الجبال هدا ، ولكن اللّه تعالى يمسك السماء والأرض ، كما قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً
( 41 ) [ فاطر ] ، وإن ذلك بسبب هذا الافتراء والادعاء الباطل ؛ ولذا قال تعالى :
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
( 92 ) .
أَنْ دَعَوْا
المصدر المنسبك من « أن » والفعل مجرور بلام التعليل المحذوفة ، والمعنى تتفطر السماوات والأرض لادعائهم أن للرحمن ولدا ، وهو ادعاء ادعوه ، ودعاء لهم في عباداتهم ، فقد ادعوه افتراء على اللّه واتخذوه إلها في ضمن آلهة ثلاثة تابعين للمصدر الذي قلدوه فيها ، وهو زعمهم الأب والابن وروح القدس ، و
وَلَداً
مفعول ل
دَعَوْا
، إذ دعوه بغير علم ولا حجة ، غير عارفين لمقام الألوهية ، ولا مدركين ، وذكر وصف الرحمن في هذا المقام ؛ لأن هذا الوصف يحمل دليل بطلان قولهم ؛ لأن رحمة الرحمن لكل عباد اللّه ، فلا يختص ابنا مدعى ولا مفترى .
ثم بين سبحانه أنه ليس من المعقول الذي يتفق مع كمال اللّه وجلاله أن يتخذ اللّه ولدا ، ولذا قال :
وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً
( 92 ) ، أي ما يسوغ ولا يعقل أن يكون للرحمن ولدا ، لعدم الحاجة إلى الولد أولا ، ولمخالفته للحوادث ثانيا ؛ ولأن الولد يحتاج إلى صاحبة ثالثا ؛ ولأنه لا قديم إلا اللّه رابعا ؛ لأنه يؤدى كأصله الفلسفي إلى أن الأشياء تنشأ عن اللّه تعالى كما ينشأ المعلول عن علّته ، واللّه فاعل مختار يفعل ما يريد .