لقد لقى الأقران منّى نكرا * داهية دهياء إدّا إمرا
وأي منكر يكون داهية للعقول أن يقول قائل :
اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً
.
ويلاحظ أنه انتقل الكلام الكريم من الغيبة إلى الخطاب ؛ ليوجه القول الشديد إليهم وينبههم إلى عظيم ما ارتكبوا ، وأنهم أتوا بأمر تطابقت العقول المدركة على إنكاره ، وهو خطير في ذاته لا يقوله إلا مأفون في غفلة عن التفكير السليم المنطقي ، ولقد كنا كلما تذاكرنا مع القائلين لهذا القول يقولون : إن ذلك فوق العقول لا تدركه ، وما هو بمدرك في ذاته ؛ ولذا شاع بين فلاسفة النصارى كلمة المنطق الديني في مقابل المنطق العقلي البرهان ، وقالوا : إن منطق الدين لا تطبق عليه مقاييس البرهان والاستدلال ، ويقولون لأنه فوق العقل ، ونقول لهم :
إن منطقهم الديني أمر منكر في العقول ، وهو إدّ في العقول ، وهو أمر مع أنه نكر ، هائل في بطلانه ، وأثره في تضليل الأفهام ، وغفلة العقول :
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا
( 90 ) .
هذا الهول من ذلك القول الذي قاله النصارى مقلدين للفلسفة المشتقة من الديانة الوثنية عند البراهمة والبوذيين ، وهو قول يحاولون إدخاله في العقول ، وهو بالنسبة للمحسوس
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ
التفطّر : معناه التشقق أجزاء مختلفة متعددة متكررة ، وقرئ ( ينفطرن ) « 1 » من قبيل فعل المطاوعة ، وهو من فطره بمعنى شقّه ، وانشق مما يحتاج إلى معالجة ، ومما يصعب فطره ، فلا يقال كسرت القلم فانكسر ؛ لأن كسر القلم لا يحتاج إلى معالجة ومحاولة ، ولكن يقال :
كسرت الحجر فانكسر ، أو كسرت الباب فانكسر .
وما المراد من هذا التصوير السامي العالي : أيراد به بيان هول هذه الكلمة ، وأنها لو نزلت على السماء والأرض لتفطرت السماء وانشقت الأرض ، وهدت
هامش
( 1 ) قراءة ( يتفطرن ) في سورة مريم : بالتاء ، وتشديد الطاء : نافع وابن كثير وأبو جعفر ، وعلى ( الكسائي ) وحفص ، وقرأ الباقون ( ينفطرن ) بنون ساكنة ، مع كسر الطاء المخففة . غاية الاختصار : 2 / 566 .