تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 4693

مساهمون:

ص٤٦٩٣
والأرض من الملائكة ومن الناس إلا وهو يأتي الرحمن ، أي يأوى إليه ويلتجئ إلى ربوبيته عبدا منقادا مطيعا خاضعا خاشعا راجيا كما يفعل العبيد ، وكما يجب عليهم لا يدعى لنفسه ما يدعيه له هؤلاء الضّلال ، ونحوه قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ . . .
( 57 ) [ الإسراء ] ، وكلهم منقلبون في ملكه مقهورون بقهره ، وهو مهيمن عليهم ، محيط بهم ، ويحمل أمورهم ، وتفاصيلها ، وكيفيتهم ، وكميتهم ، ومجيئهم ، لا يفوته شئ من أحوالهم . وقوله تعالى :
لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا
( 94 ) ، فيه معنى إحاطة علم اللّه تعالى بهم وبأحوالهم وبأشخاصهم كما نقلنا عن صاحب الكشاف ، وفيه أيضا إنذار للعصاة المذنبين ، بأنه سبحانه وتعالى سيحاسبهم بمقدار تلك الإحاطة الشاملة ، والمعرفة المتقصية التي لا تدع صغيرة ولا كبيرة إلا دخلت في إحصائها ، ولذا قال تعالى بعد ذلك :
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً
( 95 ) . أي آتى اللّه تعالى منفردا عما كان يعتز به من مال وبنين وعشيرة ، ونفر وقوة ، ولا شفيع ولا نصير ، ولكن يلقون اللّه تعالى بأعمالهم مجردة ، وبأشخاصهم مجردين ، وإن ذلك يوم القيامة ، يوم يحاسب كل واحد على ما قدمت يداه ، ويؤتى كتابه فيه إحصاء ما عمل ، وتنطق أيديهم وأفواههم بما كانوا يقترفون . وبعد أن بين اللّه تعالى حال الكافرين من عبدة الأوثان ، ومن كذبوا على اللّه وقالوا اتخذ اللّه ولدا ، بين اللّه سبحانه وتعالى حال المؤمنين في الدنيا فقال :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
( 96 ) .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
، فسبقوا إلى الإيمان مذعنين للّه ، وقووا إيمانهم بالعمل الصالح ، فالإيمان من غير عمل صالح يزكيه وينميه مآله أن يكون خاويا فارغا ،
زهرة التفاسير — صفحة 4693 | محمد أبو زهرة